المحكمة الدولية بين العدالة الفردية والعدالة الدولية

 

تيموثي واترز*  

 

تقييم المحكمة الدولية لجرائم الحرب

عندما كنت أعمل ضمن الفريق المسؤول عن إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة التي وجهت تهما إلى سلوبودان ميلوسوفيتش خلال حرب كوسوفو، كنت أعتقد أننا نطبق العدالة بالموازاة مع الأحداث والجرائم نفسها، لكن سرعان ما تباطأت العملية لتتوقف بعد موت ميلوسوفيتش في زنزانته بلاهاي. ميلوسوفيتش رجل صربيا القوي والمسؤول الأول عن إراقة أنهار من الدماء في البلقان كان أحد أكبر المتمسكين بالسلطة، حيث لم يفوت فرصة لإدامة حكمه حتى بعدما تحول بلده الشاسع إلى مجرد بقعة صغيرة من الأرض. لكن موت هذا الرجل يشكل ضربة قاسية للمحكمة الدولية لجرائم الحرب التي استثمرت سنوات من الجهد لإدانة الرئيس اليوغسلافي السابق. فبعد إحالته إلى لاهاي سنة 2001، عم جو من التفاؤل من أن مهندس التطهير العرقي في البلقان سيقف أمام العدالة، ومن أنه سيوضع سجل عن الحرب يشير إلى الفظائع التي ارتكبت.

والوقع أننا نحمل العدالة الدولية كثيراً من المهام التي تفوق طاقتها. فقد انتشرت المحاكم الدولية وأصبحت الأداة المفضلة لمواجهة العنف على نطاق واسع. غير أنه بتركيزنا المفرط على القانون، قمنا بإقصاء بدائل أخرى، حيث دأبنا على شجب مبادرات العفو باعتبارها إفلاتاً من العقاب، وألححنا على الأولوية المطلقة للقانون الدولي. بيد أن التجارب السابقة أوضحت أن تطبيق القانون عملية هشة، إذ لم يعرف عن المحاكم الدولية ردعها للعنف، وتوثيقها لسجلات الحروب، أو حتى دعمها لجهود المصالحة. ولننظر كيف فشلت المحكمة الدولية في وقف ما جرى في سريبرنيتشا وكوسوفو ما دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان على ميلوسوفيتش أن يحاكم حتى قبل التوقيع على اتفاق دايتون. لكن هل كان ذلك سيوصلنا إلى السلام في البوسنة؟ ومشكلة الادعاء في محاكمة ميلوسوفيتش أنه حاول كتابة قصة الحرب فغرق في لجة التفاصيل التي تحيط بالروايات المتضاربة عما حدث في البلقان.

بالإضافة إلى ذلك فشلت المحكمة في تحقيق المصالحة، حيث مازال السواد الأعظم من الصرب لا يعترفون بشرعية المحكمة، ناهيك عن قدرتها على إحقاق العدالة. والنتيجة أن المحاكمات الدولية بطيئة وباهظة الثمن تستنزف الكثير من الموارد على حساب المبادرات الأخرى. والأكثر من ذلك أن حصر انتباهنا على القانون يؤدي إلى إغفال ضرورة دعم المجتمعات التي تمر في مرحلة انتقالية. ولئن كانت عملية تنظيم المحاكمات مهمة في حد ذاتها، إلا أنه يبقى من الخطأ الرفع من شأنها على حساب تحقيق السلام والاستقرار. ومع ذلك مازالت محكمة جرائم الحرب الدولية تسير في نهجها القائم على التركيز الحصري على العامل القانوني وإغفال ما سواه. وفي هذا الإطار لم تضع المحكمة الدولية وقتاً طويلاً، حيث شرعت في المطالبة بتسليم الزعيمين الصربيين المتهمين في ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية رادوفان كاراديتش وراتكو ميلاديتش للمثول أمام العدالة. إنني أتوق إلى مقاضاتهما، لكن ليس على حساب استقرار المنطقة.

وقبل الاستعجال في تأكيد دور العدالة الدولية بعد موت الرئيس اليوغوسلافي السابق علينا النظر إلى أوجه القصور في المحاكم الدولية وإعادة تقييم دورها، استنادا إلى ما تستطيع القيام به وما لا تستطيعه. ولا أعتقد أن الإجابة ستكون بسيطة ما دامت المحاكم الدولية تقيم العدالة الفردية، لكنها لا تقود بالضرورة إلى إحقاق العدالة الدولية، خصوصاً وأن جدارتها في تفادي اندلاع الحروب، وكشف الحقيقة، ثم تعزيز المصالحة لم تثبت بعد. وبالرغم من تعثر المحاكم الدولية كأداة لتطبيق العدالة الدولية وتحميلها أكثر من طاقتها، مازال نموذج القانون الدولي يهيمن على تفكيرنا مصرين على إقامة مقاس واحد للعدالة يوائم الجميع. والواقع أن ما نحتاجه هو إعادة تقييم علاقتنا مع القانون الدولي والتعامل معه كأداة ضمن أدوات أخرى في التعاطي مع الحروب. ويبقى القول إن الوضع الحالي يتطلب اعتماد مقاربة شمولية تأخذ في عين الاعتبار إطلاق مبادرات العفو، وإقامة لجان لتقصي الحقيقة، فضلاً عن سن عقوبات مبتكرة مثل نفي القادة المسؤولين عن الخروقات، أو تسريح المسؤولين وصرف التعويضات للضحايا.

* تيموثي واترز: عضو فريق محكمة الجزاء الدولية المكلفة بالنظر في جرائم الحرب بيوغوسلافيا السابقة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

 المصدر : الإتحاد الإماراتيه – 19-3-2006