التفسير الدستوري لإبقاء الجلسة الأولى مفتوحة

 

 

المحامي طارق حرب*

 

مجلس النواب يبدأ الخطوة الأولى في رحلة السنوات الأربع

في أول جلسة لمجلس النواب التي تم عقدها في 16/ 3/ 2006 تولى المجلس تفسير المادة (55) من الدستور تفسيرا برلمانيا اذا ما جاز لنا القول وذلك بعدم تقييد مدة او زمن لتلك الجلسة.

فاذا كانت تلك المادة تنص على (ينتخب مجلس النواب في اول جلسة له رئيسا ثم نائباً اول ونائبا ثانيا) واذا كان الذي يتبادر الى الذهن ان مدة الجلسة قد تستغرق ساعة او ثلاث ساعات او حتى يوما كاملا وهذه طبيعة الوقت المحدد للجلسة عادة. اذ لا يمكن ان تطول الجلسة لأكثر من يوم على نحو ما جرى العمل عليه في تحديد وقت الجلسات سواء أكانت جلسة برلمانية يعقدها مجلس النواب او جلسة من جلسات المحاكم او حتى جلسة غير رسمية اي اجتماع او ندوة او محاضرة او جلسة شعبية.

واذا كانت المادة (93) من الدستور عهدت الى المحكمة الدستورية مهمة تفسير نصوص الدستور وان المواد (48- 65) من الدستور حددت كل ما يتعلق بالسلطة التشريعية (مجلس النواب) من بينها الحقوق المقررة، لهذه السلطة والواجبات الملقاة عليها وليس من بينها مهمة تفسير الدستور فاننا نجد انفسنا ملزمين باعطاء صوت الترجيح والافضلية لقرار مجلس النواب هذا لاسيما وان هذا القرار الذي تولى تفسير عبارة (اول جلسة) الواردة في المادة (55) للحكمة والسبب الكامن وراء هذا القرار اولا ولصدوره باجماع وموافقة جميع النواب ثانيا حيث لم يعارضه ولو صوت واحد فقط.

ويمكن أن نتلمس قرار مجلس النواب هذا في ان المادة (56) اطلقت فترة عمل مجلس النواب ولم تحدد مدة لاية جلسة. اذ نصت هذه المادة على (تكون مدة الدورة الانتخابية لمجلس النواب اربع سنوات تبدأ باول جلسة) وان المادة (57) من الدستور أناطت بالمجلس وبنظام داخلي يصدره تحديد كيفية انعقاد الدورة السنوية له بقولها (لمجلس النواب دورة انعقاد سنوية بفصلين تشريعيين امدهما ثمانية اشهر. يحدد النظام الداخلي كيفية انعقادهما). غير اننا يجب ان نستدرك ونقول بالحكمة الخالدة: (اذا زاد الشيء عن حده انقلب ضده) فلا يمكن ان يكون مساغنا الدستوري وتبريرنا الواقعي للاطالة والتأخير في السير في العملية السياسية ومنها انتخاب هيئة رئاسة المجلس ذلك إن هذا من اولى مهامه.

اذ ليس للمجلس ممارسة اختصاصاته الدستورية الاخرى برئاسة اكبر الاعضاء سنا  فلابد ان تكون هنالك رئاسة دائمية للمجلس وليست رئاسة مؤقتة لمن جعله العمر سببا في احتلال مقعد الرئاسة.

ان سبب عدم انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب في بداية اول جلسة والتي كانت يوم 16/ 3/ 2006 يكمن في علاقة انتخاب هذه الهيئة بانتخاب المجلس للسلطة التنفيذية بذراعيها مجلس الرئاسة المكون من رئيس ونائبين وانتخاب رئيس مجلس الوزراء. لا بل يمتد ذلك الى الموافقة المبدئية لمجلس النواب على نائبي رئيس الوزراء والوزراء والمنهاج الوزاري. فانتخاب المذكورين والموافقة عليهم لابد أن يتم بصفقة دستورية ونيابية وسياسية واحدة.

ذلك ان رئاسة مجلس النواب تتوقف على مجلس الرئاسة وعلى مجلس الوزراء،  ومجلس الوزراء يتوقف على رئاسة مجلس النواب ومجلس الرئاسة المبدئية  ومجلس الرئاسة يتوقف على مجلس الوزراء ورئاسة مجلس النواب. اذ لابد من تحديد اسماء من يشغلون هذه المناصب وموافقة الاكثرية المطلوبة من اصوات مجلس النواب على الترشيح. ذلك ان الموافقة من المجلس على انتخاب رئيس النواب ونائبيه قد يحدث خللا فيمن سيتولى اشغال المناصب الاخرى. وان كان الاتجاه السائد لدى اعضاء مجلس النواب في ان يتولى الكورد رئاسة مجلس الرئاسة مع نائب اول من العرب الشيعة ونائب ثان من العرب السنة وان يتولى العرب الشيعة رئاسة مجلس الوزراء مع نائب اول من الكورد ونائب ثان من العرب السنة وان يتولى رئاسة مجلس النواب العرب السنة  مع نائب اول من العرب الشيعة ونائب ثان من الكورد. وذلك يوافق الاستحقاق الانتخابي والكتل السياسية الموجودة في مجلس النواب والاستحقاق السكاني العراقي والشراكة والوحدة الوطنية العراقية وان كان من الوجه الدستوري جواز تولي هذه المهمة كتلة الائتلاف العراقي بمشاركة كتلة واحدة اخرى من الكتل الموجودة في مجلس النواب دون مشاركة الكتل الاخرى حيث تحصل الموافقة عند التصويت على ذلك في مجلس النواب ولكن النصوص الدستورية شيء والواقع العراقي شيء اخر.

نعود الى قرار مجلس النواب بتفسير عبارة (الجلسة الاولى) وجعلها مفتوحة والتفسير هو بيان المراد من اللفظ يكشف عن معناه ويوضح ما قد يعتريه من خفاء ويزيل ما قد يظهرعليه من تعارض لاسيما وان المبدأهو تفسير النصوص بالنظر الى معانيها الحقيقية وعدم حملها عن معانيها المجازية وان النص جاء عاما بحيث يدل على جميع افــراده على سبيل الشمول والاستغراق دون حصر.

وجاء مطلقا وشاملا والمطلق يجري على اطلاقه اذا لم يقم دليل على تقييده.

واذا كان التفسير يوزع على ثلاثة انواع اولها التفسير التشريعي الذي يكون بصدور قانون  وثانيها التفسير القضائي وهو بالنسبة لدستورنا يصدر من المحكمة الاتحادية العليا (الدستورية) وثالثها التفسير الفقهي وهذا يتولاه الفقهاء عند دراستهم للنصوص الدستورية وشرحها. فان تفسير مجلس النواب وان كان لا يندرج ضمن هذه الانواع فانه تفسير برلماني واقعي أوجبته الاعتبارات العملية والحالات الواقعية تضمن ايجاد الحل المناسب.

* رئيس جمعية الثقافة القانونية العراقية

المصدر : الصباح – 18-3-2006