الكرملين يحكم قبضته على عنق أوكرانيا

 

جاكسون ديل

 

أحيانا يكون لبعض الاحداث الدولية الهامة دويا كبيرا يشغل الرأي العالمي كما حدث مثلا بالنسبة للانتخابات الفلسطينية وفوز حماس التي توصف بالحركة المتشددة وهو الأمر الذي نجم عنه تقويض سياسة إدارة بوش الرامية الى دفع عجلة الديمقراطية في الشرق الأوسط. وأحيانا أخرى يكتنف هذه الأحداث طابع التعقيد والغموض وهو ما يؤدي إلى ندرة التقارير التي تتناقلها وكالات الأنباء والصحف عن الأحداث وقصر تداولها على مجموعة صغيرة من الخبراء. وربما يفسر ذلك انكماش دائرة المناقشة في واشنطن حول صفقة الغاز التي أبرمت هذا الشتاء بين روسيا وأوكرانيا والتي ربما لا تقل في أهميتها وتداعياتها عن الانتخابات الفلسطينية. فقد اشتملت الصفقة على توقيع ستة عقود مع شركاء لم يكشف عن هويتهم كما شاب تحديد أسعار الاتفاق كثير من التنازع والخلاف بالإضافة إلى قصر إتفاقات جانبية تتعلق بمصاريف النقل ومنشآت التخزين على مجموعة صغيرة من الأشخاص مع إحاطتها بهالة من الغموض. وربما أثارت تلك الصفقة حالة من التوجس والريبة حول الأوضاع التي تشهدها الديمقراطية في الجزء الشرقي من القارة الأوروبية.

وكانت الواقعة قد طفت إلى سطح الاحداث في أوائل يناير الماضي عندما ارتكب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطأ وقف إمدادات الغاز جزئيا إلى أوكرانيا وكثير من دول شرق أوروبا التي تحصل على إحتياجاتها من الغاز الروسي عن طريق الانابيب الممتدة عبر أوكرانيا. وعلى إثر الضغوط التي تعرض لها بوتين من بعض الدول التي تستورد الغاز الروسي إضطر إلى إعادة ضخ الغاز مرة ثانية بعد ان كان يتطلع إلى إجبار أوكرانيا على القبول بمضاعفة أسعار الغاز التي تحصل عليه من روسيا إلى 400 %. وبعد يومين أعلن عن التوصل إلى إتفاق بين موسكو وكييف بدا وكأنه قد أنهى النزاع بين الطرفين بعد الاكتفاء برفع أسعار الغاز الروسي بنسبة 90%.

ولم تستطع إدرة بوش او الحلفاء الآخرين لحكومة أوكرانيا المؤيدة للغرب أن تقف على فحوى الاتفاق المبرم بين روسيا وأوكرانيا إلا بعد مرور أكثر من شهر على توقيعه. وعندما عرفوا مضمونه عقدت الدهشة ألسنتهم ، فقد وافق الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو ورئيس وزرائه يوري يخانوروف على شراء الغاز الروسي عن طريق شركة تجارية سويسرية لا يعرف عن أسماء ملاكها سوى أن هناك إشاعات تتردد أن من بينهم مسؤولين بارزين ورموز في عصابات الجريمة المنظمة في كل من روسيا وأوكرانيا.

وقبلت حكومة أوكرانيا بالسعر الذي حددته الصفقة للغاز الذي ستحصل عليه أوكرانيا فقط لعدة أشهر في مقابل التوقيع بعدم المطالبة بزيادة قيمة الأموال المدفوعة مقابل عمليات التخزين والنقل للغاز الروسي في الأراضي الأوكرانية لمدة 25 عاما كما كانت تنادي كييف من قبل.فماذا يمكن أن تسمى مثل هذه الصفقة تحت مظلة الديمقراطية الأوروبية ؟

خلص بعض الخبراء في الولايات المتحدة الى أن اوكرانيا ربما تكون قد باعت لبوتين ما لم يستطع سرقته : إحكام الكرملين قبضته على عنق حكومة اوكرانيا. وكان الزعيم الروسي قد أغدق اموالا واسعة وأرسل بأناس كثيريين إلى جارته أوكرانيا عام 2004 في محاولة لزرع نظام موالي لروسيا ولجعل النظام السياسي في أوكرانيا نسخة مطابقة لما تعيشه روسيا. وقد باءت تلك المحاولات بالفشل على إثر إندلاع الثورة البرتقالية وما تبعها من إنتخاب يوشينكو الذي حملت أهدافه قيادة اوكرانيا للدخول إلى عضوية الناتو والإتحاد الأوروبي.وظل بوتين ينظر إلى النظام الديمقراطي الوليد في أوكرانيا وكذا حكومة جورجيا الموالية على انهما يمثلان تهديدا صارخا. فإذا ما إستطاع النظام الأوروبي القائم على الحرية تثبيت أقدامه وفرد ذراعه ليطال الجمهوريات التي كانت تابعة للاتحاد السوفيتي السابق فسوف يتعرض نظام الحكم غير الديمقراطي في روسيا إلى نوع من العزلة والنظرة الدونية. والأكثر من ذلك فأوكرانيا وجاراتها سوف ينضمون على الأرجح الى الركب الأوروبي ويندمجون فيه ليفصلوا انفسهم إقتصاديا وسياسيا عن الدب الروسي.وبعد انقضاء عام غير مستقر من الحريات السياسية أصبحت أوكرانيا على موعد مع انتخابات أخرى برلمانية مخطط لها أن تجري في 26 مارس. وهذه المرة آثر بوتين ألا يتدخل نظامه بشكل معلن في الحملة الانتخابية وبدلا من ذلك أثار أزمة الغاز ووضع أعداءه في أوكرانيا أمام خيار إما القبول بزيادة كبيرة في أسعار الوقود الذي يقف الأوكرانيين في أمس الحاجة إليه لتدفئة منازلهم في الشتاء - فقط قبل أسابيع من الإنتخابات المزمعة - أو تسليم روسيا قيادة طويلة الأمد للبنية الأساسية للطاقة في أوكرانيا مع قدرة الروس على إثارة أزمة في إمدادات الغاز في أي وقت.وقد فضل يوشينكو ويخانوروف الخيار الثاني في الوقت الذي وافقوا فيه أيضا على تحويل جزء ضخم من أرباح الإتفاق إلى أطراف لم يتم الكشف عنها . وعند مواجهتهم مع مسؤولين اميركيين ذكروا أنهم لم يكن أمامهم خيار آخر ، وحتى الآن لم يسمح لهم بمعرفة أسماء مالكي الشركة التي سيقومون بضخ مليارات الدولارات إليها.فكيف السبيل إلى إنقاذ الديمقراطية المترنحة في أوكرانيا ؟ فإذا ما حققت الأحزاب المؤيدة للغرب إنتصارا لتتولى قيادة الحكومة المقبلة- وهو ما قد يبدو بعيدا - يمكن للرئيس بوش أن يمارس ضغوطا عليهم لإلغاء إتفاق الغاز كشرط أولي للحصول على عضوية الناتو. بيد أن ذلك قد يستتبعه مطالبة كييف من واشنطن والأوربيين تقديم الدعم لها في الوقت الذي يتلمس فيه هؤلاء الحلفاء مساعدة روسيا في الموقف الفلسطيني والإيراني.وربما تؤثر الإدارة الأميركية غض الطرف عن توجهات بوتين الإستعمارية التي تبلورت في أزمة الغاز ، وقد يجد الأوكرانيون لأنفسهم مخرجا من القبضة الروسية. إلا أنهم من جهة اخرى قد يضعوا نهاية لأحد أهم الإنجازات التي شهدتها سنوات بوش.

و كل ذلك بحسب رأي جاكسون ديل في المصدر المذكور.

المصدر: ايلاف نقلاً عن واشنطن بوست-11-3-2006