من يحمي الديمقراطية؟

 

 نـزار حيدر

 

الديمقراطية كالإنسان، تنعقد نطفتها في رحم المعاناة، ثم تولد بهزة عنيفة، كأن تكون حربا أو ثورة، وقد تموت قبل الولادة أو عندها أو بعدها، فإذا ولدت سليمة وبتمام العافية، فإنها بحاجة إلى مداراة كاملة ومراعاة مستمرة، لتنمو وترشد وتكبر، لتأتي أكلها كل حين، بإذن ربها.

والناس عادة، يبدون استعدادا منقطع النظير للنضال والجهاد والقتال ضد الاستبداد والديكتاتورية، فيضحون بكل شئ من أجل إنهاء عهدها، إلا أنهم يبدون برودا، ربما منقطع النظير كذلك، إزاء بناء الديمقراطية، وكأنهم يتصورون بأن الديمقراطية هي البديل الطبيعي للديكتاتورية، فإذا سقط الصنم، نهضت الديمقراطية من تلقاء نفسها، وكأنهم لا يتصورون أن من الممكن أن ينهض صنم جديد آخر إذا ما سقط صنم قديم، وتلك هي الطامة الكبرى، ولذلك رأينا، ونرى، كيف نهضت ديكتاتوريات على أنقاض ديكتاتوريات، وأنظمة استبدادية على أنقاض أخرى، لأن الناس ينفضون أيديهم عن المسؤولية، حالما يتم الإعلان عن سقوط الديكتاتورية.

يجب أن نتذكر دائما، بأن النضال من أجل تشييد دعائم الديمقراطية، لا يقل أهمية، أبدا، عن النضال من أجل تهديم قواعد الاستبداد والديكتاتورية.

ولذلك، يدور في الخلد، السؤال التالي، كلما جرى الحديث عن الديمقراطية، وهو؛

من يحمي الديمقراطية؟ وكيف؟.

يمكن تحديد الإجابة على هذا السؤال، بالنقاط التالية؛

أولا؛ شعب متعلم، وأمة مثقفة.

شعب يعرف حقوقه وواجبات الحاكم، كما يعرف واجباته وحقوق الحاكم.

فالشعب الجاهل ليس بامكانه أن يحمي ديمقراطيته الوليدة، وبالتالي فهو أعجز من أن يبني ديمقراطية راسخة.

إن التعليم والثقافة، شرطان أساسيان لتشييد دعائم الديمقراطية، فضلا عن استمرارها، ولذلك، تسعى الديكتاتوريات إلى تجهيل الناس لتستمر في الحكم، فالعلم نور يضئ الطريق أمام الناس، فيميزون بين الصح والخطأ، أما الجهل، فظلام دامس تتحرك فيه الديكتاتوريات والأنظمة الاستبدادية، بعيدا عن أعين الرقيب، لأن الظلام لا يتيح المجال للناس في أن يفكروا بشكل صحيح، كما لا يسمح لهم بكشف الحقائق، ولذلك، تنقلب في أذهانهم الأمور والمفاهيم، فالصحيح يبدو عندهم خطأ، والخطأ يتراءى أمامهم صحيحا، وهذا العشو الليلي هو الذي توظفه الديكتاتوريات للاستمرار في حكم الناس والتسلط عليهم، وسلب حريتهم وإرادتهم.

إن على العراقيين اليوم، أن يتعلموا كل ما من شأنه أن يفتح عيونهم فلا يستغفلوا أو يخدعوا، كما أن على السلطة أن تهئ للشعب كل سبل طلب العلم، فلا تحرمه من فرص التعليم أبدا، عملا بالحديث الشريف الذي يقول فيه رسول الله (ص) {اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد} فلا يقولن أحد، مالي وطلب العلم؟ فلقد كبرت عن ذلك، أو يردد المقولة (العراقية) المشهورة{بعد ما شاب، أخذوه للكتاب} وهو، بالمناسبة، لم يبلغ الثلاثين أو الأربعين من العمر.

إن أول خطاب ألقاه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فور الإعلان عن بيعته للخلافة من قبل المسلمين، في أول انتخابات عامة، حرة ونزيهة، قال{أيها الناس، إن لي عليكم حقا، ولكم علي حق، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم} وفي خطاب آخر، قال فيه{أيها الناس إني رجل منكم، لي ما لكم وعلي ما عليكم} وبذلك يكون الإمام عليه السلام قد حدد حقوق وواجبات كل من الحاكم والمحكوم، ليس بالكلام المعسول والشعارات البراقة، أبدا، وإنما بالتعليم والتربية والثقافة، التي علمهم بها الإمام كل شئ، ففتح بها عيونهم، لدرجة أن معاوية بن أبي سفيان أعرب عن قلقه من ذلك بقوله عندما تمكن من العراق مخاطبا أهله {والله لقد لمظكم علي بن أبي طالب، وقليلا ما تفطنون} لماذا؟ لأن المعرفة جرت عليه عصيانا دائما كونه نظاما سياسيا استبداديا حول الخلافة إلى ملك عضوض، وإذا كان أهل الشام قد استسلموا للواقع المر بسبب جهلهم بالأمور، جراء سياسة الاستغفال التي مارستها معهم السلطة، فان أهل العراق رفضوا ذلك، لأنهم كانوا يميزون جيدا بين الصح والخطأ، بين الحق والباطل، أما أصحاب معاوية فلم يكونوا يميزون بين الناقة والجمل، على حد قوله وهو يصفهم ويميزهم عن أصحاب علي عليه السلام.

بالعلم والمعرفة، إذن، تصان الديمقراطية، أما الجهل فهو السور المنيع الذي يحمي الاستبداد من الانهيار، وهو الخندق الذي تتمترس فيه الديكتاتورية.

وان من أهم ما يجب أن يتعلمه الناس هو، أن الحاكم في ظل النظام الديمقراطي، ليس أكثر من أجير عند الشعب، فلا فضل له على الرعية، ولا امتياز له على الآخرين، ولا حق له في الاجتهاد بمطاليب الناس أبدا، إنما هو مؤتمن عليها، ساعيا إلى تحقيقها وتنفيذ ما انتخب من أجله وانتدب إليه.

على العراقيين أن يحفظوا العبارة{استأجره} في الآية الكريمة{يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين} قبل أن يحفظوا العبارتين{القوي الأمين} فيها، والا ما فائدة القوي الأمين إذا كان متعاليا أو مجتهدا حسب أهوائه أو رغباته الشخصية أو الحزبية؟ ضاربا برغبات الناس عرض الحائط؟ كذلك، ما فائدة القوي الأمين إذا لم يكن منتخبا من قبل الشعب؟ إن القوة والأمانة أمران مطلوبان بعد أن يستشعر الحاكم بأنه أجير عند الرعية، ليكون قويا في تنفيذ رغبات الناس وتطلعاتهم، وأمينا على مصالحهم وحاضرهم ومستقبلهم، وعلى كل ما يرتبط بهم من روح ودم ومال وعرض وملك، وكل شئ.

ولا يتحقق هذا الوعي، إلا إذا تعامل الناس مع الحاكم، كبشر من دون تقديس أو تأليه، فإذا أخطا قالوا له لقد أخطأت فيحاسب على ذلك وقد يقال من منصبه، وإذا أصاب قالوا له لقد أصبت، فيشكر على ذلك ويكافأ، ربما، بولاية ثانية، وهكذا، أما أن يحاط الحاكم بهالة من القداسة وعبادة الشخصية، من خلال التبرير له كلما أخطا، أو غض الطرف عنه كلما أساء، فان ذلك يصنع منه، بمرور الزمن، ديكتاتورا جديدا، وحاكما ظالما يرقى، ربما، في سلم الاستبداد، ليحل محل الطاغية الذليل صدام حسين، وما ذلك على أي أمرؤ ببعيد، فلقد سئل الطاغوت فرعون، ما الذي فرعنك؟ فقال سكوت الناس عن كل ما اقترفه من ظلم بحقهم، وتبريرهم ما ارتكب، خوفا أو من أجل مصلحة، لا فرق.

ثانيا؛ المعارضة القوية، القادرة على مواجهة السلطة إذا ما أخطأت أو حاولت الضحك على ذقون الناس أو أن تتجاوز على حقوقهم أو تتنصل عن واجباتها إزاء الناس والبلد.

إن العراق اليوم بحاجة إلى معارضة قوية جدا، كما انه بحاجة إلى حكومة قوية، ولذلك استغرب كثيرا عندما أسمع كل قادة الكتل النيابة الفائزة في الانتخابات العامة الأخيرة، يتحدثون عن مساعي لتشكيل حكومة عراقية تشترك فيها كل الكتل النيابية، تحت شعارات {حكومة وحدة وطنية} أو ما أشبه، فمن سيشكل، يا ترى، المعارضة النيابية القادرة على الوقوف بوجه الحكومة لتقول لها {لا} إذا ما احتاج الأمر إلى مثل هذا الموقف؟ ومن سيشكل الحكومة التالية التي ستخلف أختها إذا ما سقطت الأولى بقرار من نواب الشعب؟ أو بقرار من الشارع؟.

إن الديمقراطية لا تنبني بحكومة تشكلها كل الكتل النيابية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تطير إلا بجناحين متوازيين ومتوازنين، هما السلطة والمعارضة، ومن الواضع فان كلا الجناحين ينبثقان من تحت قبة البرلمان، فإذا اشتركت كل الكتل النيابية في الحكومة، فمن ذا الذي سيشكل المعارضة القوية، يا ترى؟.

إن تشكيل أية حكومة بهذه الطريقة، سيشل مفاصل الديمقراطية، أو أن نشهد معارضة سلطوية، هي أقرب ما تكون إلى المعارضة الكارتونية منها إلى المعارضة الحقيقية، وهذا الأمر يشكل خطرا على العملية الديمقراطية، جملة وتفصيلا، لأننا، في هذه الحالة، سوف لن نسمع أصوات معارضة لعمل وأداء الحكومة، وعندها يكون المواطن هو الضحية، الذي ستصك أذناه بشعارات الحكومة وتبريرات معارضتها.

لا نريد رؤية برلمانا وحكومة بلون واحد، ولا نريد رؤية برلمان الحكومة، لأن بلدا بلا معارضة قوية، إلى جانب حكومة قوية، يفقد التوازن في العملية السياسية برمتها، وهذا ليس في صالح العملية الديمقراطية أبدا.

إن كل الديمقراطيات في العالم، تنقسم فيها البرلمانات ومجالس النواب إلى نصفين، الأول يشكل الحكومة والثاني يشكل المعارضة، من أجل حماية النظام الديمقراطي، والمواطن على السواء، من خلال صوتين ورأيين، يمثلان السلطة والمعارضة، إلا برلمان صدام حسين ومن على شاكلته، من الأنظمة الاستبدادية والديكتاتورية الشمولية، التي لا تؤمن بالديمقراطية، فمن أجل ذر الرماد في عيون الناس تعمد إلى صناعة{معارضات} كارتونية، تقرأ رأيها (المعارض) تحت قبة البرلمان بالورقة وما كتب لها من كلمات لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، إلا رائحة دم الضحايا الذين ينحرون على مشرحة الأنظمة الشمولية كل يوم، بل كل دقيقة.

ثالثا؛ الإعلام الحر والمسؤول، الذي يرصد عمل الحكومة وكلام المعارضة، ويكون صوت الضمير الحي للمواطن، فينقل آراءه ويتابع آماله، بكل أمانة وصدق.

إن للسلطة الرابعة دور مفصلي في حماية الديمقراطية، لا يمكن أن تضطلع به إذا كانت للسلطة أي تأثير عليها، فالحرية لازمة من لزوميات نجاح الإعلام في مهمته الوطنية.

لا نريد محطات تلفزيونية مطبلة، ولا نرغب في قراءة صحف همها التحميد والتمجيد بعمل السلطة، كما نكره قراءة الأعمدة التي تعدد إنجازات الحكومة.

نريد إعلاما حرا ومسؤولا، يتحدث عن المواطن أكثر من حديثه عن السلطة، ويتحدث عن حقوق الإنسان أكثر من حديثه عن حقوق الحاكم، وعن واجبات السلطة أكثر من حديثه عن واجبات المواطن.

نريد إعلاما يكشف تجاوزات السلطة على حقوق المواطن، ويفضح المستور من خروقاتها القانونية، ويميط اللثام عن فسادها الإداري والمالي، وبالأرقام والأسماء والأدلة المادية الملموسة، من دون محاباة أو خوف أو مجاملة، يحاسب الرئيس إذا أخطأ في قول أو فعل، ويعاقب الزعيم المعارض إذا تجاوز حدوده القانونية، كأن يتهم الحكومة من دون دليل مثلا، أو يشهر بمسؤول من دون برهان.

نريد إعلاما حرا ومسؤولا لا يتعمد التشهير، ولا يلجأ إلى السباب والتسقيط، بل سلاحه المنطق والحوار الهادئ، نريده إعلاما معلما ومثقفا للناس على أخلاقيات الحوار والجدال بالتي هي أحسن، ليتعلم الناس، كل الناس، فن الحوار في أجواء الديمقراطية.

نريد إعلاما يلاحق المسؤول ويفضحه إذا مد يده على المال العام، ولا نريد إعلاما يبرر للمسؤول لصوصيته، ونريد إعلاما يسلط الضوء على المناطق المعتمة من عمل الحكومة، ولا يدبج المقالات التي تمجد بالحاكم إذا وضع حجر الأساس لمشروع ماء صالح للشرب مثلا، فهذا واجبه، أما ذاك فتقصيره، والإعلام الحر يتحدث عن التقصير في أداء الحكومة أكثر من حديثه عن الواجبات التي تنجزها السلطة.

نريد إعلاما يخاطب المسؤول كانسان وليس كأنصاف آلهة تسبق اسمه عدد كبير من الألقاب والأوصاف التي تقدسه وتضفي من حوله هالة من الكبرياء.

وبكلمة أخرى، نريد إعلاما حرا بكل معنى الكلمة، يقول الحقيقة متى اكتشفها ولا يخشى سوط الحاكم، مهما كان الثمن.

نريد إعلاما يسحب كل الملفات التي تحت الطاولة ويضعها فوق الطاولة، ليطلع المواطن على كل شئ، فلا يدبر أمر بليل، ولا تناقش الأمور في الظلمة، ليتداول المواطن المعلومة بكل حرية وشفافية وصراحة وشجاعة، ليحاور ويراقب وينتقد ويحاسب، وبالتالي ليقف على كل الأمور التي تخصه، ليس لأحد فيتو على معلومة أو احتكار لرأي.

نريد إعلاما يسأل عن الميزانية العامة عند رأس كل سنة، فيناقشها بالتفصيل فلسا فلسا، ويسأل عن طريقة صرفها ومتى وكيف؟ ومن الذي سيشرف على صرفها؟ حتى لا تظل الميزانية العامة سرا في بوتقة، كما كانت أيام النظام الشمولي البائد.

رابعا؛ مؤسسات المجتمع المدني، التي يجب أن تكون هي الأخرى حرة في نشاطاتها، ليس للحكومة أو الأحزاب أية سلطة عليها.

إن دور مؤسسات المجتمع المدني في حماية الديمقراطية، لا تقل أهمية عن دور المعارضة البرلمانية في ذلك، فهي الضمير الناطق للمواطن، والذي يتكلم ويفكر بصوت عال بعيدا عن أية رقابة أو محاسبة، إلا رقابة الضمير ومحاسبة الناس.

من المهم جدا أن تكثر وتتنوع مؤسسات المجتمع المدني في العراق الجديد، لنضمن أوسع رقابة غير حكومية على أداء الحكومة، ولابد أن تتحلى هذه المؤسسات، كذلك، بالشجاعة الكافية وشعور عال بالمسؤولية، لتكون قادرة على أداء مهامها ومسؤولياتها، ولا بد أن تكون من أكثر الجهات نزاهة وشفافية، لأنها إذا أصيبت بالفساد، كالمحسوبية والرشوة وغير ذلك، فإنها ستفقد مصداقيتها فتشل، بالتالي، حركتها، فلا تعدو أكثر من مؤسسات ميتة.

على كل العراقيين، أن يشجعوا الإعلام الحر ومؤسسات المجتمع المدني، فهي الحصن الحصين لهم ولنظامهم الديمقراطي الجديد، وعليهم أن يحموهما من اعتداء السلطة عليهما، فيقفوا ضد أي انتهاك بحق العاملين في هذين الركنين، لأن تجرؤ الحكومة عليهما يعني تجرؤا على اللسان الناطق للمواطن، فإذا فقد الأخير الإعلام الحر وخسر مؤسسات المجتمع المدني، فسيخسر نفسه أولا وقبل أي شئ آخر.

أخير؛

ذات مرة سألني صديق، ترى، كيف يتمكن زعماء العالم الحر(الرئيس الاميركي مثلا) الذي يعيش كل هذه الحياة الفارهة، أن ينزع عن نفسه كل هذه الأبهة ويترك (جنة الأرض) ويغادر البيت الأبيض، ويعود مواطنا عاديا، لحظة انتهاء فترة رئاسته القانونية، وهو رئيس أكبر دولة في العالم؟ من دون أن يحتج بالتجربة التي اكتسبها للتشبث بالسلطة؟ وكيف يستطيع هذا الرجل أن يترك وراءه كل ما هو مسخر لخدمته بملء إرادته وبطيب خاطر ليعود مواطنا عاديا؟ لماذا لم يفعل الناس عندنا مثل هذا؟ فنرى الواحد منهم يتشبث بالطاولة، حتى لو كان مواطنا عاديا، فضلا عن كونه زعيما أو قائدا، في السلطة كان أم في المعارضة لا فرق، رافضا أن يتزحزح عن موقعه، وان جرت الدماء أنهارا في بعض الأحيان، أو الاستئساد بقوى الأمن والجيش والشرطة، إذا اقتضت الضرورة، أو حتى التخندق وراء كل آيات القرآن الكريم وسير التاريخ والرسل والأنبياء والأئمة والصالحين؟.

حقا، انه سؤال هام جدا، ينبغي التفكير فيه لنجد الجواب عليه، لنتعلم مفاهيم التقدم والحضارة واحترام العهود والحقوق، ممن أخذ بها فتطور وتطورت بلاده وتطور شعبه، عملا بالمأثور{الحكمة ضالة المؤمن}.

أجبته؛

ربما أن هناك ثلاثة أسباب حقيقية تقف وراء مثل هذه الظاهرة، وعكسها يمكن اعتبارها عوامل تقف وراء تشبث الواحد عندنا بالكرسي والطاولة.

السبب الأول: هو نوعية الثقافة التي تحكم هذين النوعين من الناس، فالرئيس الاميركي، مثلا، ومن على شاكلته، لا يرى أن نساء بلاده عقمت عن إنجاب مثله، ليتشبث بموقعه حتى الموت، لخلو بلاده ممن يستحق أن يتناوب معه الموقع، كما أنه يرى أن من حق أي مواطن أميركي آخر أن يتسنم موقعه إذا رأى في نفسه الكفاءة والقدرة والقابلية على إعطاء الموقع حقه، في الإدارة والقيادة، إذا منحه الشعب ثقته.

أما الرجل عندنا، فلا يرى إلا نفسه، فيعتقد بأنه الوحيد القادر على الفهم والاستيعاب وتحمل المسؤوليات، والآخرون قاصرون أميون خائفون يخشون التصدي للمسؤولية، فلا يتقربون منها، لأن الموقع بحاجة إلى صفات استثنائية لا يمتلكها سواه، ولذلك، فإن الدين والعقل لا يسمح له بأن يسلم الدفة لغيره.

كما أنه يرى نفسه الوحيد الراشد، على حق وعلى صواب، أما الباقون فمخطئون، ثم، من هم الناس حتى ينتخبوه أو لا ينتخبوه؟ إنهم، في رأيه، ليسوا أكثر من (عوام) و(همج رعاع).

أما السبب الثاني: فهو حاكمية القانون الذي يتساوى أمامه جميع الناس، حتى الذي يشرعه، فيما يسعى الرجل عندنا إلى تعطيل القانون بمجرد وصوله إلى الموقع الذي تمناه وعمل من أجل الوصول إليه طوال حياته، وفي أحسن الحالات، يظل يناور ويناور حتى ينجح في تغيير القانون، ليشرعن بقاءه في الموقع حتى الموت، بحجة الظروف الاستثنائية، مثلا، والتي تبدأ، عادة، لحظة تسنمه المسؤولية، فالقانون عندهم هو الحاكم، أما عندنا، فالحاكم هو القانون.

ثالثا، وأخيرا: فان للرأي العام عندهم (أحزاب، مؤسسات، وسائل إعلام، مثقفون وكتاب....الخ) دور مهم في الإبقاء على أو الإطاحة بالزعيم، ولذلك فان زعماء العالم الحر، يعيرون الرأي العام في بلادهم أهمية قصوى واستثنائية، فنراهم يخشونه كما يخشى الطفل المذنب عصا الشرطي.

أما عندنا، فلا معنى للرأي العام، ولا دور له، لا بالسلب ولا بالإيجاب، لأن المطلوب من الناس، إما أن يصفقوا للزعيم (حاكما كان أم في المعارضة){ولقد أعدم مواطنا، لأنه توقف عن التصفيق للزعيم قبل الآخرين} أو السكوت والانشغال بلقمة العيش، أو في أحسن الفروض، متابعة خطابات الزعيم من خلال الشاشة الصغيرة، أو من على صفحات الجرائد، التي لا يجوز أن تخلو من صورته أبدا، لأنها جزء لا يتجزأ من حضارة الأمة وشرفها ومنظومتها المعرفية والمفاهيمية والفكرية، أما إذا سئمها المواطن، فله أن يطفئ التلفاز ويخلد إلى فراشه، ليغط في نوم عميق عميق...حتى الموت، حسرة وكمدا.

عندهم، الرأي العام هو الذي يصنع الزعيم، أما عندنا، فالزعيم هو الرأي العام، لأن الإنسان عندهم يتمتع بحقوقه كاملة، وعلى رأسها الحرية وحق الاختيار، أما عندنا، فالإنسان(يتمتع) بكامل واجباته، وأن الزعيم وحده هو الذي يتمتع بكامل حقوقه بالإضافة إلى حقوق الناس، كل الناس، في مملكته، الذين يدعي الحاكم بأنهم تنازلوا عنها لصالحه، لأنهم يحبونه، أو خشية من بطشه وسوطه وسجنه، لا فرق، ودليله على ذلك، شعار الناس الذي لا يسقط من أفواههم ليل نهار وفي كل الحالات والظروف (بالروح، بالدم، نفديك يا... زعيم)

21 شباط 2006