إشراك مجلس التعاون في المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية

 

 

عبد العزيز بن عثمان بن صقر

 

 

بعد وصول الجولة الثالثة من المفاوضات بين إيران والاتحاد الأوروبي بخصوص برنامج طهران النووي إلى طريق مسدود، وبعد إعلان إيران عن إنهاء المفاوضات مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وأنها ستستأنف العمل في بناء مفاعل نووي في أرضها لمعالجة اليورانيوم الخام، وتحويله إلى غاز يمكن استخدامه في الأغراض المدنية أو العسكرية، أصبحت تسوية الملف النووي الإيراني لا تحتمل التأجيل. إن إعلان الولايات المتحدة الأمريكية والترويكا الأوروبية، إرجاء طرح موضوع إيران على مجلس الأمن الدولي، يجعل من مشاركة دول مجلس التعاون في المفاوضات الأوروبية ـ الإيرانية أمراً حتمياً إذا كانت الأطراف تريد فعلاً الخروج من المأزق القائم. فدول المجلس معنية بالانعكاسات السلبية للبرنامج النووي الإيراني على الصعد الأمنية والسياسية والبيئية، بغض النظر عن طبيعة الموقف الذي سينتهجه المجتمع الدولي تجاه طهران. فإذا ما تراجعت الضغوط الدولية على إيران، فإنها ستمضي قدماً في برنامجها النووي، الأمر الذي يهدد أمن واستقرار وبيئة دول المجلس أكثر من غيرها، وخصوصاً أن بعض دول الخليج لا تبعد عن إيران أكثر من أربعين ميلاً بحرياً.

أما إذا قررت الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل توجيه ضربة وقائية ضد المنشآت النووية الإيرانية، فإن زمام الأمور قد يفلت من الجميع وتتعرض دول المجلس ومُدنها وبناها التحتية للاعتداء كما توعد بذلك مسؤولون إيرانيون.

بعد نجاح تجربة صاروخ شهاب ـ 3 في أغسطس من العام الماضي أعلن وزير الدفاع الإيراني آنذاك علي شامخاني «أن إيران قادرة الآن على توجيه ضربات وقائية إلى مرافق أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، لمنعها من توجيه ضربات على أهداف إيرانية».

ومما يفاقم من خطورة الوضع أن تل أبيب، لا تستبعد توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني. فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز يوم التاسع من ديسمبر الجاري «أن على بلاده البحث عن حلول غير دبلوماسية، لمواجهة التهديد الإيراني». بغض النظر عن الطرف الذي سيبادر بتوجيه الضربة الاستباقية أو الرد عليها، فإن الأمر المؤكد هو أن دول مجلس التعاون، ستجد نفسها شاءت أم أبت في خط النار.

إن على الاتحاد الأوروبي أن يدرك قبل غيره أن أهمية منطقة الخليج ليس لأهلها وحسب، ولكن للعالم بأسره أيضاً، لأن هذه المنطقة هي خزان الطاقة الرئيسي، الذي يمثل عصب الاقتصاد ويضمن استمرار التطور الاقتصادي في العالم. إن أمن واستقرار المنطقة من الأهمية بمكان إلى حدٍ لا يمكن معه أن تستأثر به جهة خارجية، من دون مشاركة معلنة وفعّالة من دول المجلس نفسها. إن الفشل في التوصل إلى تسوية مقبولة لجميع الأطراف المعنية للملف النووي الإيراني، لن تزيد الأمور إلاّ سوءاً وتدهوراً. فدول المجلس لن يكون أمامها من خيار سوى التمسك ببقاء القوات الأجنبية في منطقة الخليج. كما أنه ليس من المستبعد أن تدخل دول المنطقة في سباق نحو امتلاك أسلحة الدمار الشامل، والاعتماد على ميزان الرعب بدلاً من إفشاء روح الأمل والتعاون.

وقد أطلق مركز الخليج للأبحاث مبادرتين، انطلاقاً من كونه يهتم بشكل أساسي بمنطقة الخليج وقضاياها. إحدى هاتين المبادرتين وهي جعل الخليج منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، والأخرى تشجيع توطيد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي. وتنبع المبادرة الأولى من الحاجة الملحة إلى دراسة إمكانية اتخاذ خطوات وقائية مضادة لأي محاولات لإقحام منطقة الخليج في سباق على امتلاك أسلحة الدمار الشامل، بينما تنبع المبادرة الأخرى من إدراك عدم قدرة أقطار مجلس التعاون الخليجي على معالجة مثل هذه القضايا لوحدها من ناحية، ومن تراجع مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى.

وبينما يتعين أن تكون منطقة الشرق الأوسط كلها، خالية من أسلحة الدمار الشامل، فإن بإمكان منطقة الخليج أن تمثل نقطة البدء في وضع ترتيبات الأمن الإقليمي مستقبلاً. وسوف يسهم ذلك في وضع إطار لتصور أمني في المدى البعيد، وتكثيف الضغوط على أي دول أخرى، تمتلك أسلحة دمار شامل، لتتخلى عن هذه الأسلحة.

صحيح أن أقطار مجلس التعاون الخليجي، ترفض أي تهديد نووي من جانب جارتها، لكنها تعارض في الوقت ذاته توجيه أعمال عدوانية ضد إيران. فالعلاقات بين أقطار مجلس التعاون الخليجي وإيران متشابكة ومتشعبة. وفي الوقت الذي تبادر فيه دول عدة إلى صياغة رؤاها الخاصة، وتحاول حماية مصالحها في المنطقة، فإن على دول مجلس التعاون الخليجي أن تبادر بقبول المشاركة في الحوار الأوروبي ـ الإيراني. فهم الطرف المعني أكثر من غيره وهم جزء من المجتمع الدولي الذي سيلتزم بتنفيذ قرارات مجلس الأمن حال صدورها، ولن يقف عائقاً أمام استخدام بحره أو جوه، وعلى دول الاتحاد الأوروبي في الوقت ذاته أيضاً، أن تشجع هذا التوجه الخليجي، في ضوء المصالح المشتركة والقائمة بينها وبين دول المجلس

و كل هذا بحسب راي عبد العزيز بن عثمان بن صقر.

المصدر : الشرق الأوسط – 20-12-2005