تأثير نتائج الانتخابات المصرية على العلاقات الأمريكية - الإخوانية   

 

   يحيى عبد المبدي محمد

 

 

منذ بدء الإعلان عن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية المصرية وما تلاها من جولات أسفرت عن أداء قوي ونتائج غير مسبوقة  لجماعة الإخوان المسلمين، وسيل المقالات والتعليقات وتصريحات المسؤولين  في وسائل الإعلام العربية والغربية  لم  يتوقف بتناول هذه النتائج على نحو متباين، حيث تنوع  بين التحذير والنظر بعين القلق إلى تنامي نفوذ الجماعة داخل المجتمع المصري،  وبين التهوين من حجم المفاجئة واستبعاد احتمال وصول الإخوان إلى سدة الحكم في مصر، أو بين الترحيب والدفاع عن حق الجماعة ذات الشعبية الكبيرة في ممارسة حقوقها السياسية، وبين الغضب والإحباط من كأبة الحياة السياسية في مصر  في ظل استقطاب ثنائي ممثل في جماعة الإخوان من جهة والحزب الحاكم من جهة أخرى وغياب بقية أطياف المشهد السياسي نتيجة الاداء الهزيل لكافة الأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية في العملية الانتخابية، فضلا عن تدني نسبة مشاركة الناخبين وما شاب العملية الانتخابية من أعمال تزوير وبلطجة ومنع الناخبين من الوصول إلى مراكز الاقتراع.

وكان من ضمن هذه التعليقات أيضا تناول رؤية وموقف الدول الغربية من نتيجة الانتخابات المصرية والرسائل التي وردت في تصريحات وكتابات قادة الإخوان بهدف طمأنة الحكومات الغربية من احترام الجماعة لقواعد الديموقراطية إذا تسنى لها الوصول إلى الحكم في المستقبل.

 يرصد تقرير واشنطن في هذا المقال رد الفعل الرسمي الأمريكي على العملية الانتخابية ونتائجها في مصر،  ويستطلع أراء الخبراء والباحثين في تأثير هذه النتائج على العلاقة في المستقبل بين الإدارة الأمريكية وجماعة الإخوان المسلمين. كما يتناول المقال تأثير ما أسفرت عنه هذه النتائج من صعود التيار الإسلامي على رؤية الإدارة لمشروع تعزيز الديموقراطية والإصلاح في " الشرق الأوسط الكبير".

موقف أمريكي متحفظ

اتسم الموقف الأمريكي الرسمي من نتائج الإخوان في الانتخابات المصرية بالتحفظ من جهة والتقليل من حجم مفاجئة الإخوان من جهة أخرى. فضلا عن عدم إدلاء كبار المسؤولين في إدارة بوش مثل وزيرة الخارجية بالتعليق على نتائج الانتخابات وما شابها منعنف واعتقالات في صفوف المعارضة وترك مهمة التعليق للمتحدث باسم وزارة الخارجية شون ماكورماك أو نائبه أدم أيرلي. فيما كان ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدني  وليز تشيني نائبة مساعد وزيرة الخارجية هما أرفع مسؤولين أمريكيين يدلون  بتصريحات عن نتائج الانتخابات المصرية.

الموقف الأمريكي الرسمي الذي جاء على لسان مسؤولي وزارة الخارجية قلل بعد الإعلان عن نتيجة المرحلة الأولى من فوز الإخوان بـ47 مقعدا من مقاعد البرلمان المصري. وقال ولش إننا ننظر إلى الأمر على اعتبار أن مجموعة من المستقلين فازوا بعدد من مقاعد البرلمان.  ولكن التصريحات بدأت في أخذ منحى أكثر جدية بعد الإعلان عن نتائج المرحلة الثانية وزيادة حصة الإخوان من المقاعد بحصولهم على 76 مقعدا فيما اعتبر في هذا الوقت ربع مقاعد البرلمان ، حيث لم يخل مؤتمر صحفي للمتحدث باسم وزارة الخارجية في الأسبوع الأخير من الحديث عن سير العملية الانتخابية ورؤية الولايات المتحدة لنتائجها. وأكد شون ماكورماك أكثر من مرة على أن الحكومة الأمريكية لا تشعر بالارتياح إزاء ما يتردد من أنباء عن أعمال عنف وتدخل قوات الأمن المصري لمنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم . وحث الحكومة المصرية على توفير المناخ الملائم أثناء سير عملية الانتخاب لكي يعبر الناخب عن إرادته بحرية دون خوف أو إرهاب. كما أعرب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية عن قلق حكومته مما يتردد من أنباء عن شن سلطات الأمن المصري حملة اعتقالات في صفوف االمعارضة قبل أيام من إجراء المرحلة الثالثة والأخيرة من الانتخابات. ولكن تعليقات مكورماك ونائبه أدم أيرلي على كافة أسئلة الصحفيين فيما يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين والمكاسب التي حققتها والمطالبة بإضفاء الشرعية القانونية عليها وإمكانية اتصال الولايات المتحدة بالجماعة في المستقبل، جاءت جميعها متحفظة إلى حد كبير وتهرب كل من ماكورماك وأيرلي من الإجابة المباشرة على هذا النوع من الأسئلة باللجوء إلى التعميم مثل القول بأن ليس المهم من فاز أو من خسر بقدر أهمية مشاركة المصريين في اختيار ممثليهم وأن ما يحدث في مصر الآن يعتبر تحولا مهما نحو الإصلاح ....إلخ.

نتائج الانتخابات المصرية  تربك الإدارة

جيسون براونلي Jason Brownlee   أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس والمتخصص في قضايا التحول الديموقراطي في منطقة الشرق الأوسط  اعتبر في مقابلة مع ( تقرير واشنطن) أن التحفظ في موقف الإدارة الأمريكية من صعود الإخوان طبقا لنتائج الانتخابات المصرية أمر مفهوم ومتوقع ، فالإدارة التي تتبنى مشروعا لتغيير وجه الشرق الأوسط  وتعزيز الديموقراطية شعرت بخيبة الأمل من تراجع أداء التيار الليبرالي وبقية الأحزاب السياسية المصرية في الشارع المصري.  ولم يعد أمامها من خيارات سوى  النظام الحاكم أو جماعة الإخوان، وبالتالي فإن الإدارة عليها أن تختار بين الضغط على النظام القائم لتحقيق إصلاحات ديموقراطية على المدى البعيد وإحداث حراك في المجتمع المصري بمواصلة دعم التيارات الليبرالية  ومؤسسات المجتمع المدني،  بمعنى تمهل الإدارة في خططها للتغير في الشرق الأوسط ، أو في المقابل عليها أن تتقبل وصول الإخوان إلى الحكم وما ينطوي على ذلك من تهديد للمصالح الأمريكية . ويعتبر براونلي أن القلق الأكبر لدى الإدارة من صعود الإخوان يكمن في أن حكومة مفترضة للإخوان في المستقبل تعنى التعامل مع نموذج حكم يتمتع باستقلالية وهو ما لا يتمتع به الحزب الحاكم في مصر الآن في علاقته بالولايات المتحدة والتي غالبا ما تتسم بالتبعية . ويضيف براونلي  أن أولوية الولايات المتحدة الأن هي استقرار الحياة السياسية في مصر ووجود حكومة لا تضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة . وتختلف ميشيل دن الخبيرة في معهد كارنيغي والاستاذة بجامعة جورجتاون مع هذا الرأي عندما تقول إن إدارة الرئيس بوش قد لعبت دورا في غاية الأهمية للضغط على النظام المصري وتشجيعه للقيام بالإصلاح حتى وإن أدى هذا الإصلاح إلى تحقيق جماعات معارضة لسياسة الولايات المتحدة مكاسب سياسية . وتضيف أن على الولايات المتحدة أن تواصل هذا الضغط والتشجيع لتعزيز الديموقراطية والإصلاح بما فيها إجراء انتخابات حرة بغض النظر عن القوة أو التيار الذي تأتي به نتائج هذه الانتخابات

أولبرايت تعبر عن موقفها الشخصي فقط

على هامش حضورها مؤتمر في دبي الأسبوع الماضي، وفي إشارة إلى الحظر القانوني الذي تفرضه الحكومة المصرية على جماعة الإخوان المسلمين رغم  نتائجها في  الانتخابات المصرية،  اعتبرت مادلين أولبرايت  وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أن  حظر واستبعاد الإسلاميين من المشاركة في الحياة السياسية على أساس أنهم غير ديمقراطيين يعتبر خطأ . وحذرت الولايات المتحدة من دعم إصلاحات زائفة تؤدي إلى عزل المعارضة الإسلامية . واعتبرت أولبرايت أن أنجع وسيلة لانحسار التطرف في الشرق الأوسط هي السماح للمعارضة الإسلامية غير العنيفة بالمشاركة في الحياة السياسية.

يقول الدكتور جيسون براونلي إنه تابع تصريحات أولبرايت ويتفق معها ، لكنه يعتقد أن هذا الموقف لا يمثل وجهة نظر الإدارة الأمريكية. وحول سؤال افتراضي عن تبنى الإدارة الأمريكية لتصريحات أولبرايت إذا افترضنا وجود رئيس ديمقراطي  الآن في البيت الأبيض ،  أجاب براونلي قائلا إن الخبرة التاريخية تقول إن السياسة الخارجية الأمريكية تتسم بالديمومة والاتساق بغض النظر عن من يكون في البيت الأبيض ، فالفروق بين الديمقراطيين والجمهوريين في السياسة الخارجية حول التعامل مع التيارات الإسلامية  طفيفة للغاية.

تغطية الصحف الأمريكية لنتائج الانتخابات المصرية

اهتمت كبريات الصحف الأمريكية مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز ويو أس أيه توداي وشيكاغو تربيون ولوس أنجلوس تايمز بتغطية الانتخابات التشريعية المصرية وأرسل بعضها عدد من مراسليها إلى القاهرة مع اعتماد البعض الآخر على تقارير مراسلي وكالات الأنباء العالمية. وأفردت الصحف مساحات من هذه التغطية لاستطلاع أراء السياسين والباحثين والجماهير في نتائج الانتخابات وأهم ما يميزها من تحقيق جماعة الإخوان المسلمين نتائج غير مسبوقة في تاريخ البرلمان المصري. كما أفردت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور افتتاحيتها ليوم 23 نوفمبر تشرين الثاني التي جاءت بعنوان منح الشرعية للإخوان المسلمين للحديث عن التطورات السياسية الأخيرة في مصر ورأت أن مطالبة الولايات المتحدة  للحكومة المصرية إضفاء الشرعي القانونية على نشاط الجماعة أمر بالغ الحساسية وأن وزير الخارجية لن تخوض في تناول هذا الأمر بصورة معلنة. واشارت الصحيفة إلى التخوف  السائد بين الكثيرين في مصر والغرب من تكرار الإخوان لنموذج الثورة الإيرانية إذا تهيئ لها بعض أسباب القوة والسلطة. كما أن تمسك الجماعة، التي نبذت العنف منذ زمن وتصف نفسها بالمعتدلة ، بتطبيق الشريعة الإسلامية يقلق البعض. وفي نفس السياق تقريبا نشرت صحيفة واشنطن بوست يوم الأحد الماضي 27 نوفمبر تشرين الثاني تحليلا  بعنوان انتخابات مصر ربما تقلق الغرب.

مناورات الإخوان والأمريكان

رغم ما يقال ويسرب بين الحين والآخر من أنباء عن إجراء اتصالات غير رسمية بين مسؤولين أمريكيين وقيادات من جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن كلا الطرفين يصر دائما على نفي وجود أي اتصالات بينهما. وقد طفا موضوع الاتصالات على السطح من جديد بعد نتائج الانتخابات وقامت الجماعة بتوجيه رسائل ضمنية  لطمأنة مخاوف الغرب وخصوصا الولايات المتحدة بنشر مقال في صحيفة غارديان البريطانية خلاصتها أنه لا يوجد داعي لتخوف الغرب من صعود الإخوان. أما التصريح ذو الدلالة الأهم فقد جاء على لسان المرشد العام للإخوان في لقاء مع وكالة أنباء أسوشيتد برس ، حيث أكد على أن الإخوان لن يسعوا إذا تسنى لهم الوصول للحكم أن يغيروا سياسة مصر الخارجية ومن ضمنها احترام معاهدة السلام مع إسرائيل. وفي المقابل وفي سياق تعليقه على  توجه الإدارة الأمريكية رسائل متحفظة وأحيانا متباينة ومرتبكة تجاه الحوار مع جماعة الإخوان،  يقول جيسون براونلي إنه من المفهوم أن ينفي الإخوان اتصالهم أو محاولات اتصالهم بالولايات المتحدة  لحساسية موقفهم الداخلي امام النظام الذي يعتبر اتصال الإخوان بالغرب وخصوصا الولايات المتحدة خطا أحمرا لا يجب تجاوزه . الأمرالذي بدا واضحا في التحذير شديد اللهجة الذي ورد على لسان الرئيس مبارك في مقابلة مع صحيفة السياسة الكويتية في الصيف الفائت حول متابعته لاتصالات أمريكية بالإخوان. كذلك وعلى الجانب الآخر لا تشعر الولايات المتحدة بالارتياح  للاتصال بالجماعة وفتح حوارمعها.  وتتمنى لو أن التيار الليبرالي كان لديه نفس الحظوظ التي يتمتع بها الإخوان في الشارع المصري.

هل يتم إرجاء مشروع إصلاح الشرق الأوسط إلى إشعار آخر؟

بمجرد الإعلان عن تحقيق الإخوان المسلمين مكاسب كبيرة في الانتخابات التشريعية المصرية حتى انهالت التعليقات والتحليلات التي تتنبأ بتراجع الإدارة الأمريكية عن مشروع الإصلاح ونشر الديمقراطية في الشرق الأوسط طالما أن النتيجة ستكون تقديم السلطة إلى  الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع ، خاصة وأن مؤشرات التجربة في مصر تدل على احتمال حدوث هذا السيناريو في  بلدان عربية وإسلامية أخرى . يقول جيسون براونلي أن الجدل داخل إدارة بوش حول هذه المسألة كبير. فهناك من يرى أنه من المبكر جدا تصور وصول الإخوان إلى السلطة بحصولهم على عدد من مقاعد البرلمان. ويرى هذا الفريق إنه حتى  إذا افترضنا ذلك،  فإن تأثير وجودهم في السلطة لن يصاحبه تغيرات دراماتيكية في السياسة المصرية كما يتصور البعض. إذن لا يوجد مبرر من وجهة نظر هؤلاء لتأجيل مشروع الإصلاح أو التراجع عنه. وعلى الجانب الآخر يوجد في الإدارة من يعتبر أن الإخوان سيمثلون خطرا بالغا على مصالح الولايات المتحدة إذا تسنى لهم الوصول إلى الحكم دون أن يحدد موقفهم بوضوح من قضايا تداول السلطة والقبول بقواعد الديمقراطية ونبذ الإرهاب.  وعموما يتفق كثيرون من المراقبين على أن أداء جماعة الإخوان في المرحلة القادمة سيكون مؤشرا مهما للإدارة الأمريكية على قبولها  كأحد اللاعبين الأساسين في عملية إصلاح الشرق الأوسط أو استمرار سياسة التحفظ  تجاهها.

 المصدر: تقرير واشنطن- العدد 35