ماذا بعد الاستفتاء في العـراق؟

 

المهندس فؤاد الصادق

 

 

من المتوقع أن يستغرق فرز الأصوات ما بين خمسة أيام وعشرة أيام, وإذا أقر الدستور، فسوف يتم التصديق عليه وسيكون الطريق مفتوحا لإجراء انتخابات في 15 ديسمبر- كانون الأول، حيث تؤدي حكومة جديدة يمين تولي السلطة بحلول الحادي والثلاثين من ديسمبر- كانون الأول.

وإذا لم يقر الدستور، سيتم حل الجمعية الوطنية وتجري انتخابات لبرلمان انتقالي جديد، بحلول 15 ديسمبر - كانون الأول أيضا. وسيضع المجلس الانتقالي الجديد صياغة أخرى للدستور، يتم التصويت عليها في استفتاء بحلول أكتوبر- تشرين الأول 2006 .

فالعراق على موعد مع الإ نتخابات: إما لإنتخاب حكومة جديدة في 15 ديسمبر- كانون الأول، أو لإنتخاب برلمان انتقالي جديد، بحلول 15 ديسمبر - كانون الأول ليضع المجلس الانتقالي الجديد صياغة أخرى للدستور، يتم التصويت عليها في استفتاء بحلول أكتوبر- تشرين الأول 2006 .

المـهم هناك إنتخابات لابد من الإعداد والإستعداد لها ، وذلك يستدعي دراسة شاملة وموضوعية وناقدة للإنتخابات الماضية ، في ضوء جميع المستجدات العراقية والإقليمية والدولية ، وبمايضمن القفز بالديمقراطية العراقية الفتية خطوة اخرى إلى الإمام ، وبمشاركة شعبية واسعة وامنة، بمـا يكرس حقوق الأكثرية إلى جانب حقوق الأقلية والأقليات ، في إطار الحلّ الوسط والوسطية المطلوبة في كلّ حال ، ولاسيما في الإنتقال المرحلي السلمي إلى الديمقراطية ، وللإلتفاف على الأزمات الخطيرة.

لـمـاذا التأكيد على الإنتخابات القادمة ؟

باختصار لأن هناك مستجدات على الساحة العراقية والإقليمية والدولية ، والإ نتخابات القادمة ، سوف لن تكون كالإنتخابات الماضية ، هذا اضافة إلى ان :

النظام الإنتخابي تمّ تغييره إلى إعتماد مبدأ الأغلبية البسيطة داخل المحافظة، لكنه في كل الأحوال قانون إنتخابي جديد في ظل ديمقراطية فتية ،ومؤسسات مجتمع مدني فتية ايضا ،  وان المرجعيات الدينية كما يحتمل الكثيرون سوف لن تتدخل بالشكل السابق الذي كان ضروريا ومفروضا في وقته لإنقاذ العراق والتقدم نحو إستكمال سيادة العراق سياسيا من جهة ثانية ، وان هناك من جهة ثالثة نزوعاً شديداً للاستئثار السياسي، عبر محاولة تكريس مبدأ الحكم بالتوافقية ، بعد النجاح في إلغـاء مبدأ الحكم بالأكثرية التي تمليها الديمقراطية ، ويفرضها الأداء الفاعل والمستقر للحكم  في المرحلة السابقة ، و لصالح ما تمّ تسويقه بأسم مبدأ الحكم بالأغلبية التمتلازمة مع التوافقية !!، إلى جانب الكوتا غير المطبقة ، دون تشريع ، ولأن هناك ما يرشح بين تارة واخرى مما يشير إلى وجود تحالفات جديدة ومبكرة للإنتخابات القادمة تفكر بالإقصاء والإستئصال ،أو بعبارة أدق تفكرو تخطط لئن يكون البرلمان القادم ، ومن ثم الحكومة بشكل لايعكس الواقع العراقي ، متذرعة بمستوى الأداء الحكومي والبرلماني والدستوري - انْ صحّ التعـبـير- في الفترة التي تلت الحركة البنفسجية الأولى ، وما إلى ذلك مما يستخدم عادة في الدعايات الإنتخابية ، ولان البرلمان القادم حتى مع إقرار الدستور له الحق في تعديل الدستور الجديد ، ولذلك لابد من الإهتمام بالتعديلات على الدستور ، والإستعداد لذلك ، مع اعادة تقييم الجولة السابقة لكتابة الدستور بسلبياتها ، وإيجابياتها ، وعلى رأس ذلك تحاشي الإنجرار إلى اللعب في الوقت الضائع ، فالبنود الجديدة التي تم الاتفاق على إضافتها على المسودة تتضمن بندا مهما ينص على أن يعرض في حال نجاحه في الاستفتاء على الجمعية الوطنية القادمة. وتقوم الجمعية بتكليف لجنة مختصة من كافة الأطياف بإعادة النظر في جميع مواده واقتراح أي تغييرات تراها مناسبة وتقدم تقريرها للجمعية خلال 4 أشهر بعدها تصوت الجمعية على التعديلات، وفي حال موافقة الأغلبية عليها يعاد طرح الدستور مع تعديلاته على الشعب للاستفتاء من جديد. هذا في الوقت الذي كانت المسودة القديمة تتضمن بندا ينص على عدم النظر في أي تعديلات دستورية قبل مرور ثماني سنوات على الأقل . ربما كان ذلك الخيار الممكن الأفضل للإقتراب من الإجماع فالمشاركة الأوسع في الإستفتاء ، لان الأمر يرتبط بالدستور لا الإنتخابات ، لكنه على كل التقادير يستدعي الدراسة والدقة والإهتمام المتزايد والرقابة الدستورية والوعي الدستوري وبشكل خاص الجماهيري منه، هذا بالنسبة للدستور الذي عرض على الشعب السبت ، والذي حسب احد الإحصاءاتت رفع العراقيون الى لجنة الصياغة نحو مئة مسودة دستورية، وقدموا قرابة 450 ألف اقتراح دستوري، كما عقدوا أكثر من 280 ندوة وورشة عمل للمناقشة . والنجاح في الإنتخابات القادمة والتمكن من رعاية الدستور وحمايته لبناء ديمقراطية مستدامة رهين تفعيل وتكريس السياسات المواطنية المستمرة ، ولا طريق إلى ذلك الإ عبر الدخول في الإنتخابات ببرامج وطنية حقيقة بمعنى الكلمة إلى جانب التحالفات ، والتمييزبين العمل الحزبي من جهة ، والعمل الحكومي من جهة ثانية ، وتكريس ونشر الشورية والديمقراطية والنزاهة اكثر فأكثر داخل الأحزاب والجماعات نفسها ، ففاقد الشيء لايعطيه .

صحيح ان الملحمة الثانية التي سطرها الشعب العراقي السبت الماضي و في شهر رمضان المبارك تعبر عن تمسك العراقيين بالخيار الديمقراطي الذي يحترم قيمهم ومبادئهم الحضارية وتعدديتهم ، وهذه هي المرة الثانية في هذه السنة حيث يتحدى كل الظروف الصعبة والمأساوية وتهديد العنف ليمارس حقه في التصويت ، لكن لنتصور لو أن هذا الشعب لم يخرج إلى الإ ستفتاء كما خرج بالملايين ، حيث شارك أكثر من 62% في الإستفتاء، هذا في الوقت الذي في الدول العربية مثل مصر وفلسطين والجزائر لم تتعد نسبة المصوتين في اي عملية دستورية عن حدود الأربعين بالمائة:

ماذا كان مصير الديمقراطية في العراق لو خرج مثلا  مليون مواطن فقط ؟

في الوقت الذي نشاهد يوما بعد اخر إتساع جبهة مناهضي العراق الديمقراطي الجديد في العالم بمبررات ومبررات معروفة ومفهومة .

فالسياسات المواطنية  هي من حق الشعب ، وهي التي ستضمن القاعدة العريضة للديمقراطية ، ونجاح العملية السياسية ، والمشاركة المكثفة في جولاتها القادمة ، وهي السبيل إلى الإنتصار على الإرهاب ، فالستراتيجية العسكرية لوحدها ، وكما هي الأمنية و السياسية لايمكن ان تهزم الإرهاب ، كما أشرت في مقالات عديدة منها : كلام صعب في زمن صعب في : 15-5-2005 ، والخلاصة لابد من استراتيجية شاملة مع قلع جذور الفساد لإلحاق الهزيمة بالإرهاب ، ومما يبعث على التفاؤل بهذا الخصوص ، ان السفير الأمريكي في العراق أخذ يؤكد على هذا المنحى حيث نقلت مؤخرا وكالة الانباء الفرنسية عن خليل زادة :

ان المسلحين يمكن ان يهزموا فقط عند وضع استراتيجية عسكرية وسياسية واقتصادية مشتركة. وقال "اعتقد اننا لا يمكن ان نهزم المسلحين عبر الوسائل العسكرية بمفردها.

فهلْ ستأخذ الإدارة الامريكية بالمعطيات الجديدة والاستنتاجات الأخيرة للسفيرالأمريكي في العراق ؟

والى أي حد ؟

هلْ يمكن الأخذ بذلك في ظل الفساد والاهدار المالي الذي يتطلب حلا جذريا مرحليا هادئا بعيدا عن القفزات الاعتباطية وسياسة حرق المراحل التي تعطي مفاعيل عكسية تعيد البلاد الى الوراء ؟

وألف تحية ... و تحية :

للشعب العراقي في ملحمته الثانية ولكل منْ ساهم في نجاح عملية الإستفتاء

والشكر والتقدير لعمل السلطات العراقية الرائع على شل الإرهاب عند يوم الإستفتاء على الدستور