اوروبا والاصلاح :  اتهام هينريك بوردرلأوروبا !

 

 

 

مؤخراً صدر عن الكاتب هينريك بوردر اتهام مهلك حين قال:

“أوروبا، أنت غارقة حتى النخاع في المهادنة”.

والحقيقة أن هذه العبارة كان لها صدى عميق لأنها تعبر عن الحقيقة إلى حد مذهل.

أدت المهادنة إلى إضفاء الشرعية على الشيوعية ومنحها الفرصة للاستقرار في الاتحاد السوفييتي، ثم ألمانيا الشرقية، ثم في كل أنحاء أوروبا الشرقية، حيث ظلت الحكومات الوحشية القمعية القاتلة تحظى بالتمجيد والتكريم عقوداً من الزمان.

وعلى نحو مماثل قادت المهادنة أوروبا إلى الشلل حين استشرت الإبادة العرقية في البوسنة وكوسوفو.

والحقيقة أننا على الرغم من الأدلة الدامغة على عمليات القتل الجماعي التي كانت دائرة هناك، إلا أننا في أوروبا ظللنا نناقش ونناقش، ثم ارتكنّا إلى المزيد من المناقشة.

وكنا ما نزال نتناقش حين اضطر الأمريكيون إلى قطع نصف المسافة حول العالم تقريباً إلى أوروبا مرة أخرى، لكي يتولوا عنا ما كان ينبغي علينا من عمل.

حتى الآن لم تستوعب أوروبا الدرس.

فبدلاً من المسارعة إلى حماية الديمقراطية في الشرق الأوسط، بدت المهادنة الأوروبية، وهي تحتجب خلف التعبير الغامض “المسافات المتساوية”، فقد أدت سياسة المهادنة إلى تولد عقلية تسمح لأوروبا بتجاهل ضحايا التعذيب الذين سقطوا بفعل آلات صدام للتعذيب والقتل، والذين بلغ عددهم ما يقرب من 500 ألف ضحية، وهي نفس العقليةالتي كان الحافز وراءها الاعتقاد الزائف بالتفوق الأخلاقي والانتصار لحركة السلام، والتي جعلت أوروبا تطلق الخطب الرنانة وتصف جورج دبليو بوش بالداعية إلى الحرب.

ويستمر هذا الرياء حتى بعد ما تبين أن بعض أصحاب أعلى الأصوات انتقاداً للعمل الأمريكي العسكري في العراق قد جمعوا مليارات  بل عشرات المليارات  من الدولارات غير المشروعة في ظل برنامج الأمم المتحدة الفاسد “النفط في مقابل الغذاء”.

تُرى كم من الفظائع والأعمال الوحشية ينبـغي أن يقع قبل أن يدرك الرأي العام في أوروبا وزعاماته السياسية ما يجري حقاً في العالم؟

هناك حملة عنيفة تشن الآن  حملة غادرة على نحو خاص، حيث تشتمل على هجمات منظمة من قِبَل متطرفين مسلمين، تركز على المدنيين، وموجهة ضد مجتمعاتنا الغربية المفتوحة الحرة، وقد عقدت العزم والنية على تدمير هذه المجتمعات تمام التدمير.

لقد وجدنا أنفسنا في مواجهة صراع سوف يستمر على الأرجح مدة أطول من أي من الصدامات العسكرية الكبرى التي شهدها القرن الأخير، صراع يديره عدو لا يمكن ترويضه من خلال “التسامح” و”الاحتضان والتكيف”، ذلك بأن هذا العدو قد وجد في مثل هذه المشاعر التحريض على ارتكاب أفعاله.

ولقد أثبتت ردود الفعل هذه أنها بمثابة علامة على الضعف، ولسوف يظل المتطرفون ينظرون إليها دوماً من ذلك المنظار.

لم يتحل سوى اثنين من الرؤساء الأواخر للولايات المتحدة بالشجاعة الكافية لنفض المهادنة عن أكتافهما:

وهما رونالد ريجان وجورج دبليو بوش. قد يتجادل منتقدو أمريكا بشأن التفاصيل، لكننا في أعماق قلوبنا نحن أهل أوروبا ندرك الحقيقة، لأننا رأيناها بأم العين.

فقد نجح رونالد ريجان في إنهاء الحرب الباردة، وحرر بذلك نصف أوروبا مما يقرب من خمسين عاماً من الإرهاب والعبودية.

أما الرئيس بوش فانطلاقاً من قناعاته الأخلاقية وبدعم أوحد من قِبَل الديمقراطي الاجتماعي توني بلير، أدرك مدى الخطورة التي تمثلها الحرب التي يشنها المتطرفون اليوم على الديمقراطية.

وفي الوقت ذاته:

تتكئ أوروبا باسترخاء في الزاوية متعددة الثقافات وقد بدت عليها ثقتها المعتادة بالذات والتي تتسم بالمرح والابتهاج.

وبدلاً من الدفاع عن قيم الليبرالية والتصرف كمركز جاذب للقوة في ذات الميدان الذي تقتحمه القوتان العظميان الحقيقيتان، أمريكا والصين، نجد :

أن أوروبا تراقب من بعيد ولا تحرك ساكناً. بل إننا نحن أهل أوروبا على العكس من ذلك نقدم أنفسنا، كنقيض“للأمريكيين المتغطرسين”، باعتبارنا أبطال العالم في “التسامح” الذي أصبح عرضة للانتقاد حتى من قِبَل وزيرالداخلية الألماني أوتو شيلي. 

ولكن تُرى من أين يأتي هذا الشعور بالرضا عن الذات؟

هل ينبع هذا من فرط اهتمامنا بالأخلاقيات؟ 

أخشى أن يكون هذا نابعاً من إغراقنا نحن أهل أوروبا في المادية، وتجردنا من البوصلة الأخلاقية.

وفي سبيل سياسته المباشرة في مواجهة الإرهاب، يجازف بوش بانهيار الدولار، وإضافة مقادير هائلة من الديون إلى الدين المحلي، وإلقاء عبء هائل ودائم على كاهل الاقتصاد الأمريكي.

لكنه يفعل هذا لأنه ، على العكس من أغلب الأوروبيين، يدرك أن ما يتعرض للخطر الآن هو كل ما يحمل أية قيمة للعالم الحر بالمعنى الحرفي للكلمة (!)

وبينما ننتقد “بارونات الرأسمالية اللصوص” في أمريكا لأنهم على قدر كبير من الثقة بأولوياتهم، نسارع بكل جبن إلى الدفاع عن دولة الرفاهية. فنصرخ قائلين “ابتعدوا عن هذا الأمر، فقد يصبح باهظ التكلفة”.

وعلى هذا، فبدلاً من العمل من أجل الدفاع عن حضارتنا، نفضل الخوض في مناقشات بشأن تخفيض عدد ساعات العمل الأسبوعية التي تبلغ 35 ساعة، أو تحسين تغطية التأمين الصحي لعلاج الأسنان، أو تمديد إجازتنا السنوية المدفوعة الأجر لأكثر من أربعة أسابيع.

أو ربما ننصت إلى واعظ كنسي في التلفاز ينبهنا إلى ضرورة السعي للتواصل مع المتطرفين لكي نفهمهم ونغفر لهم.في هذه الأيام:

تذكرني أوروبا بامرأة عجـوز مرتعشة اليدين تسارع باهتياج إلى إخفاء آخر القطع لديها من المجـوهرات والحلي حين تنتبه إلى أحد اللصوص وهو يقتحم منزل جارٍ لها. المهادنة؟

إنها ليست سوى البداية.

آهٍ يا أوروبا!

كم أنت جبانة!

وكل ذلك حسب رأي كاتب المقال .

المصدر : الخليج الاماراتيه 3-8-2005