مؤسسات المجتمع المدني العراقي

 

(وقفة تحليلية)

 

 

خالد عليوي العرداوي*

 

هل يمكن قيام دولة ديمقراطية حقيقية بلا وجود فاعل لمؤسسات المجتمع المدني ؟

لقد اجاب كل المفكرين المهتمين بفكرة الديمقراطية بالنفي، اذ ان وجود مؤسسات المجتمع المدني يعد ركنا اساسا في نجاح البناء الديمقراطي ، وتشير هذه المؤسسات الى تلك التنظيمات المحصورة بين الاسرة والسلطة ( الحكومة )، وتمثلها : الاحزاب السياسية (خارج السلطة) النقابات المهنية،منظمات حقوق الانسان، منظمات حماية البيئة،المنظمات الدينية، الاعلام المستقل... ويشترط في الانتماء اليها ان يتسم بالطوعية، والعمل الجماعي المنظم، والايمان بالقيم السلوكية التي تقبل الآخر وتحاوره وصولا الى الحقيقة والصواب، ومتى اخذت هذه المؤسسات دورها الحقيقي، استطاعت ان تشكل قوة ضاغطة مؤثرة للمحكومين على السلطة، بالشكل الذي يمنع الاخيرة من الانحراف والشطط عن جادة الصواب وتوجيهها نحو السبيل الذي يحفظ حقوق الافراد وحرياتهم العامة .

وفي العراق فان بناء الديمقراطية يتطلب ان نضع في الحسبان ان عقود الاستبداد الطويلة قد الحقت ضررا فادحا في مجتمعه المدني اذ شوهت قيمه وسلبته قوة تأثيره وحولته الى مجتمع تقليدي تسوده ولاءات : القبيلة، العشيرة، الطائفة، القومية، المنطقة الجغرافية ...على حساب الولاء للوطن فكانت هذه الولاءات اداة بيد الحكام يستغلونها ابشع استغلال من اجل ديمومة حكمهم من خلال اثارة النعرات التي تورث الحقد والكراهية بين ابناء الشعب الواحد جاعلين سياسة فرق تسد المقيتة شعارهم الذهبي في تحقيق اهدافهم وهكذا دفع خوف الحكام من الشعب واستئثارهم بالسلطة الى ان يروا ان مصلحتهم لاتنسجم مع قيام مؤسسات مجتمع مدني فاعلة.

ولكن بعد التغيير الذي حصل في البلد نجد كثرة الشعارات التي تدعو الى بناء عراق جديد سوف يكون إنموذجا يحتذى في الديمقراطية وطالما ان مؤسسات المجتمع المدني هي القوى المؤهلة في تحقيق هذا الهدف المنشود لشعب العراق فقد ظهرت في البلد مئات بل الاف منها لكن الملاحظة التي تؤشر على الولادة الفجائية لأغلبها، هي انها تعاني من خلل خطير بسبب الزمن القصير والظرف الخاص الذي نشأت فيه ، إذ لجأت الى المنظومة التي تستند الى ولاءات المجتمع التقليدي اكثر من استنادها الى معايير الدولة الحديثة التي تحرص على روح المواطنة والولاء للوطن فقد ظهرت مؤسسات المجتمع المدني لكنها تمثل طوائف واعراق واثنيات مختلفة واصبحت لعبة المحاصصة الطائفة القومية التي سادت مؤسسات السلطة العراقية بعد 9/ 4 / 2003 لعبة محاصصة ايضا لمؤسسات المجتمع المدني العراقي .

ان الحقيقة التي يجب قولها هي انه اذا كان الهدف الحقيقي لشعارات وسياسات المرحلة الحاضرة هو بناء العراق الديمقراطي الحر فان الرهان ينبغي ان يستند الى تفعيل مؤسسات مجتمعنا المدني وادراك ان هذا الواقع جديد يجري تأسيسه في بلدنا اذ لم يسبق  لنا ان مارسنا الديمقراطية او دعونا اليها بحرية غير خاضعة لرقابة السلطة،لذا يجب ان ننظر لانفسنا كمؤسسين لهذه الديمقراطية فلا نلتفت الى الوراء لنقتبس من تقاليد وممارسات وقيم الانظمة السياسية التي سادت منذ تاسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 الى 9/4/2003 انماطا للسلوك والقيم لديمقراطيتنا الوليدة بل يجب ان يضع العراقيون اليوم حكاما ومحكومين انماطا للسلوك والقيم سوف تكون اللبنات الاولى لبناء الديمقراطية وتأسيس دولة القانون والمؤسسات.

ولكي تتمتع هذه الدولة: قانونا ومؤسسات بالاصالة، فعلى صانعي القرار والمثقفين في البلد بذل جهد حقيقي في تحليل المخزون القيمي الرائع للاسلام للاستفادة منه في بناء الدولة العراقية الجديدة، اذ ان ايات القرآن الكريم، وسنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم واهل بيته الطاهرين واصحابه المخلصين تنطوي على الكثير من الدروس والعبر المهمة في هذا المجال . كما يجب ان يكون هناك انفتاحا حقيقيا على تجارب الدول الديمقراطية، فلا نرفضها بالجملة بحجة الاصالة ولانقبلها بالجملة بحجة الحداثة والتجديد.

ان ادراك الحقائق المذكورة آنفا هو مطلب ضروري يجب ان تحرص عليه مؤسسات المجتمع المدني العراقي، لكي تمنع حصول الشطط والانحراف في العملية الديمقراطية في بلدنا وهي في عملها قد تخطأ أو تصاب بخيبة الامل ( وهذا امر طبيعي )،  لكن نجاحها رهن بأيمانها بدورها فاذا فعلت ذلك، يمكن لشعب العراق ان يأمن على مستقبله الديمقراطي والا فالويل من مؤسسات مشوهة لمجتمع غير مدني .

*أستاذ النظم السياسية

المعاون العلمي في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية.

 

www.fcdrs.com