العراق و تجربة التحول الديمقراطي في جنوب أفريقا

 

 

نشرت: كريستان ساينـز مونيتر مقالاً بعنوان: "حان الوقت لإعادة تقييم الجدول الزمني للمرحلة الإنتقالية في العراق" للكاتبة والصحفية: هيلينا كوبان، البريطانية، المقيمة في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي أمضت عدة سنوات في بيروت، ولها كتاب: منظمة التحرير الفلسطينية تحت المجهر، الصادر عن جامعة كامبردج في مطلع الثمانينات، ولها وجهة نظر ربما توعز ما وقعَ في العراق إلى السيناريو الذي كتبه: بيرل، وأصحابه منذ سنين، وعلى كل حال لما وردَ في المقال، وما يعكسه مِن التقاطعات والتباينات نورد فيما يلي: النص الكامل للمقال تاركين التقييم للباحثين والقراء:

حان الوقت، لإعادة تقييم الجدول الزمني للمرحلة الإنتقالية في العراق

يمتلك العراق الآن رئيسا مؤقتا، جلال الطالباني، و رئيسا للوزراء- فقد تم اختيار، إبراهيم الجعفري لهذا المنصب.

ولكنه لم يمتلك حكومة بعد وحتى أن المفاوضات حول الدستور الدائم للبلاد بالكاد قد ابتدأت. في هذه الفترة مر بالفعل ثلث الوقت المحدد من قبل "قانون إدارة الدولة المؤقت، لكتابة مسودة الدستور. و الآن فان الوقت المحدد من قبل قانون إدارة الدولة للاتفاق على الدستور (أواسط آب)، و عرضه على الاستفتاء العام (تشرين الأول)، إجراء انتخابات نهائية استنادا إلى بنوده(كانون الأول) تبدو كلها صعبة ، إن لم تكن مستحلية، التحقق.

وفي الوقت نفسه، فان غياب وجود حكومة وطنية فعالة يجعل من الأزمات الاقتصادية و الأمنية التي يعاني منها العراقيون منذ عدة شهور أكثر سوءاً، كما أن الضغوط تتصاعد من اجل انسحاب سريع لـ(140000) جندي أمريكي مازالوا مرابطين في البلاد.

فهل يتم تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة كما هو مرجو بدون المزيد من الأزمات الكبرى؟ اعتقد بان مجموعتين متوازيتين من الإجراءات-أحداهما تتكفل بها أمريكا لوحدها و الأخرى من قبل أمريكا بمشاركة القيادة الانتقالية العراقية- يمكن أن تساعدا كثيرا. في واشنطن، ينبغي أن تقوم إدارة بوش بإصدار تصريح رسمي يفيد بان الولايات المتحدة ليس لها أية مطامع بالأراضي العراقية أو المصادر الطبيعية، و ليس لديها رغبة في وضع القيود على قرارات البرلمان العراقي المنتخب بحرية و بأية صيغة كانت. و هذا يمكن أن يكون له الأثر الكبير في الحد من الشكوك و التوترات داخل العراق. كما ان هذا التصريح قد يدفع جميع العراقيين لتركيز اهتمامهم على صيغة جيدة في مسايرة بعضهم البعض بدلا من- كما فعل بعضهم- الاعتماد على قوة الولايات المتحدة لتعزيز موقف جماعتهم الخاصة.

في بغداد و واشنطن، وبالوقت نفسه، ينبغي على الساسة بالتأكيد أن يقوموا بلي قانون إدارة الدولة المؤقت الذي صممته أمريكا بحيث يصبح ما تمت صياغته و التصويت عليه هذا العام مجرد دستور انتقاليا، بدلا من أن يكون شيئا نهائيا. و في نفس الوقت، من الممكن تعزيز الاستفتاءين المزمع اجراؤهما في نهاية 2005 ليصبحا تصويتا واحدا- الذي يمكن أن يكون تصويتا على الدستور المؤقت و انتخاب حكومة ديمقراطية ذات سيادة تستند عليه. و يمكن إنجاز التفاصيل الصغيرة من الدستور لاحقا، و عرضها للاستفتاء العام في ذلك الوقت.

ما الداعي لهذه المقترحات؟

إن فكرة قيام إدارة بوش بإعلان تصريح حول عدم وجود مطامع دائمة في العراق يمكن أن تبدو طبيعية وبسيطة- ما لم يكن هنالك بالفعل بعض الأشخاص في الإدارة ممن يخططون للسعي وراء مثل هذه المطامع، و في هذه الحالة فإننا جميعا في مشكلة كبيرة. و لكن في حالة، كما اعتقد، كون الإدارة لا تمتلك مثل هذه الأهداف، إذن لماذا لا تقول هكذا ، علنا و بشكل رسمي؟

إن العراقيين هم أناس يشعرون بالاعتداد بالنفس. وهم فخورون جدا بتأميم صناعتهم النفطية 1972-1975 من مالكيها القدامى البريطانيين، و بنجاحهم الذاتي في إدارة مثل هذه الصناعة عالية التقنية. كما ان معظم العراقيين معادون جدا في الواقع لفكرة وجود أجانب يحتفظون بقواعد عسكرية دائمة في أراضيهم. وطالما فشلت واشنطن في التأكيد لهم علنا في هذين المجالين، فان المخاوف التي مازالت تراود العراقيين حول الأهداف " الحقيقية" لغزو عام 2003 سوف تستمر في الاحتقان، وسوف تؤدي إلى تعقيد الانتقال إلى الاستقلال ذي السيادة بشكل غير مبرر تماما.

أما بخصوص لي قانون إدارة الدولة المؤقت: لطالما كنت ادرس عمليات الانتقال من الحكم العسكري إلى الديمقراطية في الفترة الأخيرة. إن مثل عمليات الانتقال هذه تكون دوما معقدة جدا. في حالة العراق، هنالك الآن ثلاثة ضرورات أساسية. يحتاج القادة السياسيون إلى دستور دائم"مناسب"- و هي المهمة المعقدة التي قد تتطلب بعض الوقت. و لكنهم يحتاجون أيضا إلى أن يبينوا إلى شعبهم التقدم المطرد باتجاه بناء حكمهم الخاص الفعال. و أخيرا، إنهم بحاجة إلى إيجاد طريقة لإدخال قادة العرب السنة في الائتلاف الحاكم، القادة الذين مما يؤسف له لم يبرزوا في انتخابات كانون الثاني الماضي.

تعني الضرورتان الأخيرتان بان الانتخابات العامة القادمة-الأكثر تمثيلا و بحكومة كاملة الصلاحيات- ينبغي أن لا تؤجل. فقد يكون التأجيل إلى ما بعد موعد كانون الأول المقرر مهلكا جدا. و لكن في الوقت نفسه، من الصعوبة رؤية كيف يمكن إكمال الدستور الدائم بشكله النهائي قبل ذلك الوقت. و لهذا قد يكون السعي وراء دستور مؤقت في هذه المرحلة، و عملية انتخابات واحدة فقط بدلا من اثنتين هذا العام، الحل الأمثل.

كانت هذه هي الطريقة التي اتبعت في تحول جنوب أفريقيا المعقد إلى الديمقراطية التامة في نيسان 1994. ناقشت الأحزاب الرئيسية في البداية دستورا مؤقتا، ثم عقدت انتخابات نيسان التي صادقت على كل من الدستور المؤقت و انتخبت حكومة ديمقراطية استنادا إليه. و حالما تسلمت الحكومة مهامها، استمرت المفاوضات حول المسائل الدقيقة من الدستور الدائم و أخيرا تم تبنيه في 1996. في جنوب أفريقيا، كما هو الحال في العراق، كانت المسائل الأساسية هي التحول من حكم الأقلية إلى الديمقراطية التامة و إعادة تحديد العلاقات بين المجموعات العرقية المختلفة.

فهل تنجح مثل هذه الطريقة في العراق؟ إني اعتقد هذا. الأكثر أهمية، يجب أن لا تضيع لحظة انتقال الحكم الديمقراطي ذي السيادة في العراق- و يجب أن يعطى المفاوضون في البلاد الوقت لكتابة دستورهم "الملائم". إنها لمعادلة صعبة.

 المصدر: صحيفة المدى  17-4-2005