أزمة الإصلاح السـياسي في البحريْن

 

 

ترجمة لمحاضرة ألقاها الدكتور عبد الهادي خلف في مقرنادي الخليج الثقافي في لندن

مســاء الخير

يسـعدني وجودي بينكم هذه الأمسية فلقد كانت آخر زيارة لي لهذا المكان قبل عامين, وحينها ناقشـت معكم ومع ضيوفكم النقاط الأساسية في ورقة كنت قد قدمتها في مؤتمر الجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط.

في تلك الورقة كنت أناقش أطروحة قديمة طرحها صامويل هنتينغنون منذ حوالي 35 سنة، ألا وهي أطروحته حول " معضلة الملك". والمقصود المجازي بمعضلة الملك هو مجمل الصعوبات التي يواجهها كل حاكم مطلق حين يسـعى إلى تحديث نظام حكمه و إدخال إصلاحات عليه.

وتتلخص هذه المعضلة الصعبة في كيف يسـتطيع الحاكم الذي ينوى الإصلاح أن يوازن بين أمرين متعارضين في جوهرهما، أي كيف يوازن بين مطالب معارضيه بضرورة الإصلاح والتحديث من جهة وبين الضغوط التي يمارسها مؤيدوه و قواعده التقليدية عليه مطالبين بإبقاء الأمور على حالها. هذه هي معضلة الملك كما وصفها هنتيغتون، أو إذا شـئتم تعبيراً أكثر قرباً للواقع هي فن المشي على حبل مشـدود والحفاظ على التوازن في الوقت نفسه.

طرحتُ في تلك الورقة إن الملك البحريني كان وقتها مشغولاً إلى أبعد الحدود في محاولات البحث عن حلٍ  يخرجه بأقل الخسائر من ٍ من تلك المعضلة .... و بالذات بدون أن يغضب الحرس القديم ضمن العائلة الخليفية الحاكمة .

وبطبيعة الحال، فلقد كان واضحا لكل متابع ، أن الأمر لم يكن محصوراً, ببسـاطة,  في انتقاء مخرجٍ واحدٍ من بيْن مخرجيْن متسـاوييْن من حيث الكلفة أو من حيث النتائج أو من حيث إنعكاسـاتهما على الملك نفسه أو على مطالب المعارضة أو أوضاع العائلة الخليفية.  لقد كان لكل من المخرجيْن المتاحيْن كلفته المتميزة و نتائجه وإنعكاسـاته.

وللأسـف الشـديد، رأينا في نهاية الأمر  إن جلالته لم يتمكن من تحقيق طموحه في أن يصبح ملكاً مصلحاً كما كنا جميعاً نتمنى.

ولقد رأينا بعض انعكاســات ذلك في ظلال التشـاؤم التي خيّمت على الاحتفالات المتواضعة بالذكرى الخامسـة لاعتلاء جلالة الملك عرش البلاد في مارس الماضي. و مصدر تلك الظلال التشـاؤمية هو  الأقاويل التي تتردد في بعض صفوف المعارضة حول إن جلالته, هو نفســه,  لم يعد , كما كان في البداية,  متحمسـاً لمشـروعة الإصلاحي، أو الأقاويل التي تقرّر إن  مســار الأمور قد تحول مرة أخرى إلى يد عمه خليفة بن سـلمان رئيس الوزراء منذ حصول البحرين على اسـتقلالها من بريطانيا عام 1971 وحتى يومنا هذا.

مهما يكن الأمر، فان هذا يعنى إن تحولاً مثيراً للحزن و الأســف قد إعترى مسـيرة شـخص شــديد الطموح والجاذبية اسـتطاع من تســنمة مسـئولية حكم البلاد في مارس 1999 أن يقنع أغلب معارضيه بأن يدعموه و يدعموا مرئياته حول الإصلاح في البحرين رغم إن تلك المرئيات كانت مشــوّشــة في جلّها و غير واضحة المعالم. و هو صاحب المبادرات و المكرمات الذي استطاع  حين طرح خطته الإصلاحية المتمثلة في بنود ميثاق العمل الوطني للاسـتفتاء الشعبي في فبراير 2001 ،  أن يضمن حصولها, أي تلك الخطة كما معروف, على موافقة ما يزيد على 98% من أصوات النســاء والرجال ممن شـاركوا في الاسـتفتاء.

كانت نسـبة التأييد المذهلة تلك انعكاسـاً حقيقياً  للتوقعات و الآمال الشـعبية بأن جلالته سـيلتزم بما ألزم نفسـه به من وعود بالإصلاح، بما في ذلك تخفيف القيود المفروضة على حرية التعبير والتنظيم وإلغاء قرارات منع السـفر المفروضة على المعارضين، و إلغاء قانون أمن الدولة و تفرعاته، و إعطاء المرأة حقوقها كاملة كمواطنة.

في البداية، ولبعض الوقت فقط، كانت الأمور تسـير سـيراً يبشـر بالخير وقام جلالته بعدة مبادرات تاريخية و أصدر بالفعل قرارات العفو مما أدى إلى عودة المبعدين السـياسيين إلى البلاد ، إخلاء السـجون من المعتقلين السـياسيين .

لا شـك أن ذلك كله كان إنجازا مبهراً حققه حاكمٌٍ اتهمه بعض معارضيه, في البداية,  بالتردد وعدم القدرة على حزم أمره.  فبالفعل بدا الشـيخ حمد طوال السـنتين الأولييْن من فترة حكمة حريصاً أبعد الحرص على إرضاء جميع الأطراف. و حين نســـتعيد مضامين خطبه في تلك الفترة نلاحظ إنها كانت مطرّزة بعناية واضحة  بالكثير من الكلمات الكبيرة التي يتوقع المرء سـماعها من حاكم مطلق يعد عدته لبدء مســيرة الإصلاح.

ولعل في هذا ما يفسـر أن كثيرين من أبناء العوائل الحاكمة في بلدان خليجية أخرى أخذوا  ينظرون إلى البحرين كنموذج يسـتحق الاحتذاء به. ومع أن هؤلاء، فيما عدا السـعوديين, لا يبدون على عجلة من أمرهم فيما يتعلق بإصلاح الأوضاع الداخلية في بلدانهم إلا انهم جميعا عبروا، و بطرق مختلفة عن نواياهم الإصلاحية ، بما في ذلك إعطاء دور سـياسـى أكبر للنخب المحلية.

إلا أن التطورات اللاحقة في البحرين بعد اسـتفتاء عام 2001 سـرعان ما بدّدت روح التفاؤل و أنهت حالة النشـوة  العارمة التي غمرت البلاد في بداية قيام جلالته بخطواته الإصلاحية والتصالحية الأولى.

فبعد عام واحدٍ من الاسـتفتاء، أعلن الشيخ حمد نفسـه ملكاً و أعلن البحرين "مملكة حديثة و ديمقراطية ودستورية". وفي نفس اليوم أصدر جلالته ، من طرف واحد,  دسـتوراً جديداً معلناً بذلك نهاية الفترة الانتقالية و نهاية فترة بحثه عن حلٍ غير مكلف لمعضلته الملكية.

ببســاطة,  يتمثل الحل الذي تبنّاه جلالة الملك في أنه أختار أن يرصّ صفوف العائلة الحاكمة وأن يدعم القوى المتشــددة فيها وأن يشــاركها رفضها للمطالب المتصاعدة التي كانت تطرحها مجموعات المعارضة الســياسـية.

وهنا تبدأ تصورات جلالته الإصلاحية  تتجلى في صورتها الحقيقية الراهنة : نموذجاً باهراً لخطواتٍ وإجراءات إصلاحية لا تتطلب أن تتخلى العائلة الحاكمة عن قيد أنملة من امتيازاتها المتوارثة.

تزداد جاذبية هذا النموذج الذي يقدمه جلالة الملك حمد  لأقرانه في المنطقة عن طريق ما يحظى به من مديحٍ يسـبغه عليه بعض القادة الغربيين، بما في ذلك اشـارات تتكرر حول أنهم ينظرون إلى البحرين كنموذج إقليمي على بقية بلدان المنطقة دراســته.

ولسـوء حظ جلالته ، ولســوء  حظ شـعب البحرين,  فان تلك الجاذبية و ذلك المديح من بعض القادة الغربييين إنما تولدّا بسبب تخليه عن مشـروعة الإصلاحي، و بسبب اتخاذه مسـاراً معاكسـاً لما التزم به جلالته منذ أن مَحَضَه شـعبه دعماً غير مسـبوق في يوم الاسـتفتاء على ميثاق العمل الوطني.

يسـتطيع المرء أن يخمّن الأسباب التي دفعت جلالته إلى التراجع و إلى اتخاذ المسـار المعاكس للالتزامات التي يضعها ميثاق العمل الوطني على عاتقه . و يسـتطيع المرء أن يخمّن ماذا إذا كان ذلك قد تم نتيجة لقراءة ما للواقع أو أنه تم تحت ضغط الحرس القديم في العائلة الحاكمة وعلى رأسها عمه رئيس الوزراء.

إلا أن الحقيقة تبقى أن الدستور الجديد ( فبراير 2002) قد وضع قيودا عدة على البرلمان وعلى قدرته على القيام بأي دور جدي في موازاة السـلطة التنفيذية.

ينقسـم البرلمان حسب الدسـتور الجديد إلى قسـمين لهما مهمات متقاربة – مجلس للنواب ينتخبه المواطنون، ومجلس للشـورى يعينه الملك. ويتيح الدسـتور للنواب أن يتقدموا بالرغبات وأن يعدوا اقتراحات و مسـودات القوانين، و لكنه يحصر في أيدي الحكومة وحدها حق طرح مشـاريع القوانين على التصويت. وكصمام أمان إضافي يحتفظ الملك, منفرداً , بسلطة الفصل المبرم في أي خلاف تشـريعى.

و يمنع أحد المراسـيم الملكية البرلمان من مناقشـة أي أمر أو إجراء قامت به السـلطة التنفيذية في أي وقت سـابق ليوم 14 ديسـمبر 2002، أي تاريخ انعقاد الجلسـة الافتتاحية للبرلمان.

وحسـب الدسـتور الجديد فان الملك هو "رأس الدولة، والممثل الاسـمى لها ، وذاته مصونة لا تمس، وهو الحامي الأمين للدين والوطن ورمز الوحدة الوطنية".  و جلالته هو وحده المختص بتعيين رئيس الوزراء والوزراء ناهيك عن السفراء والمحافظين والقضاة وأعضاء مجلس الشـورى وأعضاء المحكمة الدستورية وقادة القوات المســلحة و الأمن و الحرس الوطني ، و هو وحده من يختص بإعفاء كل هؤلاء من مناصبهم . و لجلالته حق اقتراح القوانين و تعديلها,  وفوق ذلك فله أيضاً حق إبرام المعاهدات مع الدول الأخرى دون الحاجة إلى موافقة البرلمان. و هو كما أشـرنا أعلاه ، صاحب القول الفصل في أي خلاف تشـريعى أو بين السـلطات الأخرى .

ولعل في هذا بعض ما يفســر إشارة اللورد أفيبرى ، و هو أحد المهتمين بمتابعة تطورات الأوضاع في البحرين ، إلى إن اتسـاع السـلطات التي يتمتع بها العاهل البحريني تجعله موضع حسـد الكثيرين من الحكام مطلقي الســلطة , بمن فيهم ملوك عهود الاستبداد في أوروبا أبان القرون الوسـطى .

في ظل هذا الدسـتور ، جرت في 14 أكتوبر عام 2002 أولى الانتخابات البرلمانية في البلاد منذ عام1973 . و سـاهمت دعوة أربعة مجموعات سـياسـية معارضة إلى المقاطعة في أن تصبح نسـبة المشـاركة (4 ,53 % ) باهته جداً إذا ما قورنت بنسـبة المشـاركة التي فاقت التسـعين في المائة أثناء الاسـتفتاء على ميثاق العمل الوطني قبل ثمانية عشر شــهراً.

وضعت مقاطعة الإنتخابات ، و ملابسـات تلك المقاطعة و تداعياتها ، نهاية للتوقعات المفرطة في التفاؤل بإمكان إنجاز العملية الإصلاحية بسـرعة و بسـلاسـة . إلا أن ما كان يثير القلق حقاً هو أن قرار المقاطعة كان جزءً من مجموعة اشـارات بأن البلاد قد وصلت إلى مشـارف أزمة سـياسـية و دســتورية .

ومما زاد من شدة حالة التشـاؤم إنتشــار الإقتناع  لدى بعض قيادات العارضة  إن  قرار جلالته بالعودة أدراجه عن خط الإصلاح هو قرار نهائي.  مرةٌ أخرى لا يملك  المراقب إلا التخمين : هل غير الملك رأيه بنفسـه ، أم انه وقع تحت ضغوط الحرس القديم ضمن العائلة الحاكمة .

لا تنحصر المشـكلات التي تواجه البحرين فقط في النتائج المترتبة عن قيام جلالته و بشـكل منفرد بصياغة الدسـتور الجديد و إعلانه . ( فالمسـألة ليسـت محصورة بشـكليات و رمزيات  الممارسـة السـياسـية ، فمع إقرارنا بأهمية هذه الشـكليات و الرمزيات بالنســبة للكثيرين من قادة المعارضة و بالنسبة إلى مستقبل الممارســة الســياسية في البلاد ,  إلا أن أغلب الناس تعرف إن هناك طرق عديدة لمعالجتها إذا ما حسـنت النوايا .

تواجه البحرين ما تواجههه الآن بسبب وقوع مســيرة جلالته نحو الإصلاح في عدد من العثرات و الكبوات.  و يعود بعض هذه العثرات و الكبوات إلى ثقة جلالته البالغة في قدراته التكتيكية ، بينما يعود بعضها الآخر إلى أخطاءٍ في الحسـابات و في قراءة الوقع، أو إلى مشـورةٍ فاسـدة أو إلى الاســتعجال أحياناً و التردد أحياناً أخرى.

وفي تصوري فإن ما تولد عن تلك العثرات و الكبوات من نتائج ســـاهم في تعقيد الأزمة التي يعانى الآن منها مشـروع الإصلاح السـياسي في البحرين .

سـأسـتعرض فيما يلي بعض الأمثلة على ما أسـميه عثرات و كبوات اعترضت مسـيرة مشروع الإصلاح السـياسى في البحرين و حرفته عن مســاره الأصلي.

أولا : قيام جلالة الملك بإصدار مرسوم العفو عن موظفي الدولة، و بخاصة ضباط جهاز الأمن، من المتهمين بجرائم و بانتهاكات لحقوق الإنسـان. و لقد حرم هذا العفو العام آلاف المعتقلين السـياسـيين و مئات المبعدين السـياسـيين و ضحايا التعذيب من حق ملاحقة المتسببين في انتهاك حقوقهم في المحاكم كما حرمتهم من حق الحصول على التعويضات  المادية و الأدبية المناسبة. ( و بطبيعة الحال أدى مرسـوم العفو إلى إلغاء كل أمل في إجراء مصالحة وطنية تقوم على محاسـبة الماضي و المسئولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت فيه بما في ذلك سـقوط عشـرات الشـهداء.

ثانيا : مسـألة "التجنيس الجماعي / السـياسي" والذي بموجبه تم منح الجنسية البحرينية للآلاف ممن تم اجتذابهم في السنوات الأخيرة للعمل في القوات المسلحة و الأمن و الحرس الوطني. و ثمة مؤشـرات مؤكدة أن الجنسية البحرينية منحت أيضا للمئات من مواطني السـعودية حتى من بين من لم تطأ أقدامهم أرض البحرين.

ثالثا : مسـألة الفسـاد المتفشي و المسـتمر,  وهو فسـاد يراه كثيرون في صفوف المعارضة متمثلاً في عم الملك نفسـه ، أي خليفة بين ســلمان، رجل البلاد القوى بدون منازع طوال الأربعة عقود الماضية . و لقد شـهدنا مؤخرا كيف تمت إثارة قضايا الفسـاد و سـوء الإدارة و بشـكل دراميتيكى بعد تسـريب الأخبار عن قرب إفلاس هيئة الضمان الاجتماعي و صندوق التأمينات و هما المؤسستان اللتان تديرهما الدولة وتتوليان إدارة واستثمار إيداعات التقاعد و التأمينات الاجتماعية لغالبية العاملين بأجر في القطاعين الخاص والحكومي في البحرين. ولقد أدى تسـريب الخبر إلى أحداث ضجة كبيرة و انتشـار مشـاعر الاسـتياء في البلاد.

وكما يعرف المتابعون فلقد تصدّى مجلس النواب إلى هذه القضية، في جهدٍ كان يمكن أن يؤدى, فيما لو نجح, إلي إزالة صورة المجلس لدى الكثيرين من إنه لا يعدو أن يكون واجهة تزيينية من واجهات النظام. إلا أن الأمور سـارت في الاتجاه المعاكس و كما تريد الحكومة.  فبعد اثني عشر شـهرا من التحقيق والمداولات داخل مجلس النواب، بما في ذلك اسـتدعاء ثلاثة من الوزراء المعنيين للاسـتجواب، بعد كل ذلك تمت لفلفة القضية برمتها رغم ثبوت أن الصندوقين خسـرا ما قيل انه مئات الملايين من الدنانير ورغم ترجيح احتمال إفلاس الصندوقين بحلول عام 2007.

وفي النهاية لم تســفر تلك المداولات حول إفلاس هيئة الضمان الاجتماعي وصندوق التأمينات والضجيج  المثار قبل بدء تلك المداولات  و أثنائها و بعدها إلا عن تأكيد ســوء الأدوات الدستورية التي يتضمنها دستور 2002  كما أدت إلى إزالة جميع إحتمالات تأسيس مصداقية مجلس النواب لدى الناس.

رابعا : التراجع في مجال حقوق الإنسان . فلقد شهدنا طوال السنتين الماضيتين تراجعاً مقلقاً في مجال حقوق الانسـان. و لقد بدا هذا التراجع في البداية بطيئا و محصوراً في قضايا رمزية و على شـكل حوادث متفرقة. و لكن التدهور المقلق ظل مسـتمراً و متزايداً. ففي الشـهور القليلة الماضية شـملت الإجراءات الحكومية اعتقال عدد من الناشـطين في مجال حقوق الإنسـان. وتواصلت التهديدات بإعلان جميعات حقوق الإنسان و أنشـطتها غير قانونية ، علاوة على ذلك تم منع إجتماعات عامة كانت جمعيات معارضة سـياسية تنوي تنظيمها ، بل وصل الأمر إلى منع عروض مسـرحية للهواة.

خامسـا : أما العثرة الخامسة فتتمثل في الإصرار على إبقاء الامتيازات الواسـعة التي تتمتع بها العائلة الخليفية الحاكمة، و هي امتيازات لا تخضع للنقاش العلني أو المسـاءلة و لا ينظمها لا الدسـتور ولا القوانين المرعية.

يجب التأكيد على إن هذه الامتيازات المتوارثة تشـــكل عقبة جدية بالنسبة لأي إصلاح في المنطقة. وهي تشـــكل في البحريْن المحك الفعلي لمصداقية المشـروع الإصلاحي. و نلاحظ أن جلالة الملك لم  يوفر, حتى الآن, لبنات وأبناء العائلة الحاكمة ما يحتاجونه من مسـتلزمات لكي يصبحوا مواطنين مندمجين في البلاد إندماجاً فعلياً و كاملاً. و لا أقصد هنا بالمستـلزمات التي يحتاجها  أبناء و بنات العائلة الحاكمة, تلك الأمور الشـكلية من جواز سـفر أو وثيقة الهوية وغيرهما، بل أقصد مستلزمات المواطنة بمعناها العميق بما فيه الاندماج في المجتمع ومؤسـسـاته و هيئاته و التمتع بما يتمتع به المواطنون والمواطنات من حقوق وما يتحملونه من واجبات.

لقد كنتُ قد صغتُ في ندوة عقدتُها بعد عودتي من المنفى إلى البحرين عام 2001 ، شعاراً لم يتم تبنيه للأسف. فلقد دعوتُ وقتها إلى المطالبة بإدماج العائلة الخليفية في الوطن وفي المجتمع البحريني. و دعوتُ إلى اعتبار ذلك جزءً من مشروع بناء المواطنة الدســتورية.  و لكن دعوتي لم تؤخذ مأخذ الجد وقتها. و تبقى العائلة الحاكمة, للأسف الشــديد,  على إصرارها بأن تظل بعيدة عن بقية المواطنين.  و لعلنا نلاحظ ذلك,  و أن رمزياً ,  في انعزالها الفعلي في مدينة الرفاع الغربي التي يحظر على بقية المواطنين، أغنياء أو فقراء، التملك فيها أو حتى مجرد السـكن فيها.

و الآن و قبل أن أنهى هذا الحديث سأمر على مسألة طرحها الأخ الدكتور سعيد الشهابي عند قيامه بتقديمي لكم , ألا و هي:

هل تصلح البحرين أن تكون نموذجاً للإصلاح في بقية دول المنطقة ؟

و جوابي هو أن الإصلاحات السـياسية التي أدخلها صاحب الجلالة هي أفضل ما تتمناه العوائل الحاكمة في بلدان الخليج العربي. فهو نموذج يتيح للنظام أن يبدو إصلاحياً من الخارج ، بينما يُبقي العائلة الحاكمة متمتعةً بجميع امتيازاتها المتوارثة ، بما في ذلك تحكمها المطلق في الموارد الاقتصادية و المالية و أن تبقى مهيمنة على المؤسسات السـياسية و التشريعية و القضائية و أن تحافظ على سيطرتها التامة على القوات المسلحة وأجهزة الأمن. أي أن  تبدو للخارج إصلاحية دون أن تقوم بإدخال إصلاح جدي.

و بقدر جاذبيته للعوائل الحاكمة و حرســها القديم فمثل هذا النموذج لا يمكن أن يكون جذاباً لشــعوب المنطقة. فهؤلاء لا بدّ و أن تقلقهم الصعوبات المتزايدة التي يواجهها العاهل البحريني في إقناع شـعبه بجدية توجهاته الإصلاحية.

يحتاج إنقاذ دور البحرين كنموذج للإصلاح في المنطقة إلى اقتناع جلالة الملك بضرورة الدخول مع القوى التي تعارض تراجعه عن ميثاق العمل الوطني في حوار جدي يهدف لا إلى وضع حلول لخلافات تدور حول أمورٍ شــكلية و قضايا إجرائية أو حول  تغيير هذه المادة أو تلك في دسـتور2002 أو 1973 ..... بل حوار جدي يهدف إلى تأسيس مصالحة وطنية تتجاوز العثرات و الكبوات التي أشـرت إلى بعضها فيما سبق.

و يحتاج الطرفان، جلالة الملك ومعارضوه, إلى مسـاعدة كل من يســتطيع مسـاعدتهما لكي تصبح البحرين نموذجا يُحـتذي به فعلاً ...نموذجٌ للتحول , بالتراضي, من نظام اسـتبدادي مطلق إلى مملكة ديمقراطية ودسـتورية و مسـتقرة.     

أشكركم على حضوركم  وأترك الباب مفتوحاً لملاحظاتكم

عبد الهادي خلف

المصدر : تاريخ المحاضرة : 20 مايو   2004 - http://www.achr.nu/art15-filer/s3.htm