من يضمن الحرية في مرحلة الانتقال الى الديمقراطية ؟

 

د. هادي حسن عليوي

 

رغم تعدد مفاهيم الحكم الديمقراطي وفقاً لاختلاف الزمان والمكان، الا ان الرئيس الاميركي ابراهام لنكولن لخص مفهوم الحكم الديمقراطي بمقولتين، اوضح في الاولى (انه لايحق لاي شخص ان يحكم الاخرين دون موافقتهم)، اي ان الحكومة الديمقراطية ماهي الا حكومة ممثلة للشعب، وهدفها صيانة حقوق المواطنين وكرامتهم والعمل على تحقيق متطلبات وظيفة الدولة من خلال التنمية. بمختلف اشكالها وما تتضمنه من توفير لخدمات واحتياجات اساسية كالتعليم والصحة والسكن والغذاء، مما يتيح الوصول لاستتباب الامن وتحقيق الرفاهية والحرية والتعددية.

 اما في الثانية فيقول لنكولن (اذا ضاق الشعب ذرعاً بحكومته فله مطلق الحرية الدستورية ان يغيرها) وبذا يكون العنصر الثاني المكون للديمقراطية، وهو في  الوقت نفسه مكمل للعنصر الاول، يرتكز على حق الشعب في ان يغير من يحكمه، اذا فقد الثقة فيه، او وجد من هم اصلح منه، وبالتالي تظل السلطة الحاكمة انعكاساً لارادة الشعب ومسخرة لخدمة مصالحه واولوياته، وهو ما يصبح في الوقت نفسه مبعث شرعية النظام الحاكم ومصدر تفويضه لممارسة الحكم.

 وعلى الرغم من اجتهاد العديد من الباحثين والفقهاء والمفكرين في تحديد مفهوم الديمقراطية، لكن الجميع يتفقون على وجود مجموعة من الحقوق والحريات العامة تمثل الاساس الراسخ لاي نظام ديمقراطي اينما وجد، وعند غياب هذه الحقوق والحريات الاساسية لايمكن الحديث عن بناء ديمقراطي سليم يحترم رأي الشعب ويسعى لخدمة مصالحه.

 الحقوق والحريات العامة:

 وتتسم هذه الحقوق بالشمولية والعمومية، وبما يسمح تطبيقها في اي نظام قانوني وبقبولها في اي مجتمع مهما كانت الظروف التي يعيشها، ويبدو ان الحقوق التي تمثل اساس العملية الديمقراطية تتضمن ثلاث مجموعات :

المجموعة الاولى : حقوق اساسية، هي :

حق الحياة وتحريم التعذيب او العقوبة القاسية او المعاملة غير الانسانية او الحط من كرامة الانسان، كذلك عدم التمييز والمساواة بين الجميع وتحريم الاسترقاق  والاستعباد، والحق في الحرية والامن والسلامة الشخصية..

المجموعة الثانية: حقوق سياسية:

و هي المتعلقة بعملية الممارسة الديمقراطية، وتضم حرية الفكر والوجدان والدين والتعبير والرأي والاجتماع والاشتراك في الجمعيات وانشائها، وحق المشاركة في ادارة شؤون الدولة والعمل في الوظائف العامة.

المجموعة الثالثة : ضمانات الديمقراطية :

اي العدالة القضائية، وتشمل الحق في المثول امام محكمة مستقلة ومحايدة ومنصفة وعلنية، ولا يمكن للديمقراطية ان تكون مكتملة دون وجود ضمانات راسخة قادرة على درء خطر بطش اية قوة سياسية او استفرادها بالسلطة، وعادة ما تكون هذه المسؤولية مناطة الى قضاء مستقل ومحايد لاسلطة عليه سوى القانون، وبالتالي يصبح القضاء الحصن الحصين وصمام الامان للديمقراطية، والقوة القانونية والدستورية التي تقف بوجه اية قوة مهما كانت للانتقاص من حقوق الشعب وحرياته.

ضمان الحريات

وقد ميز الباحثون والفقهاء: بين حقوق مادية وحقوق معنوية، ضمن المجاميع الثلاثة، فتدخل ضمن الحقوق المادية الحرية الشخصية وحرية او حق التملك وحرمة المساكن وحرية العمل في حين تدخل ضمن الحقوق المعنوية حق التعليم وحق المساواة واحترام حرية العبادة، وان يترك الفرد حراً في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، والحقوق السياسية تتمثل بتوفير ضمانات قصوى للمواطن ضد سلطة الدولة، وبما يضمن اقامة علاقات سياسية بين  الحكام والمحكومين على اساس حر، من خلال اختيار الشعب لممثليه في السلطتين (التشريعية والتنفيذية) عن طريق انتخابات حرة ونزيهة وعادلة، واقرار مبدأ الفصل بين السلطات، وحرية وسائل الاعلام والتعبير عن الرأي والاحتجاج والتظاهر، وحرية منظمات المجتمع المدني بما فيها انشاء الاحزاب واقرار التعددية، وحق ممارسة اعمالها، وضمان الحريات العامة المرتبطة بالحقوق الفكرية والثقافية وحرية التعليم والحريات الاقتصادية وغيرها.

وتتدخل الاجهزة التنفيذية الحكومية لايقاف اي تجاوز او خرق او تعد على اي من هذه الحقوق بتطبيق القوانين ذات الصلة دون تعسف في استخدام الصلاحيات او التجاوز على حقوق وحريات الافراد، ويكفل القانون محاسبة المتجاوزين على هذه الحقوق من خلال القضاء سواء أكان المتجاوز فرداً ام جماعة ام هيئة حكومية او غير حكومية.

التحول الديمقراطي واشكالية ضمان الحقوق والحريات

يمر العراق في مرحلة نحو الديمقراطية، وهو يواجه اشكاليات عديدة في بناء مؤسسات النظام الديمقراطي والية التداول السلمي للسلطة، ومهمات المجتمع المدني، وتحقيق نظام المؤسسات ودولة القانون، وغياب الامن ووضع اقتصادي مترد، والتخندق الطائفي والعشائري والعرقي، وهي معرقلات جدية لاقامة الديمقراطية. بل ومعرقلة للعملية السياسية والتحول الديمقراطي.

صحيح ان الدستور العراقي الجديد خصص الفصل الثاني منه للحريات، واكد فيه على ان حرية الانسان وكرامته مصونة بكفالة الدولة، وبما لايخل بالنظام العام والاداب، كذلك حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة والطباعة والنشر والاعلام والاعلان، وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات والاحزاب السياسية وحرية الاتصالات والمراسلات بمختلف وسائل الاتصال والتراسل وعدم مراقبتها او التصنت عليها او الكشف عنها، وكفالة الدولة لحرية العبادة وتحريم جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الانسانية، وتكفل الدولة حماية الفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني، وتحريم العمل القسري (السخرة)، والعبودية وتجارة العبيد( الرقيق) ، وتحريم الاتجار بالنساء والاطفال، والاتجار بالجنس. كما تحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني ودعمها وتطويرها واستقلاليتها، بما ينسجم مع الوسائل السلمية لتحقيق الاهداف المشروعة لها، كما اكد الدستور ضرورة  تقييد ممارسة اي من الحقوق والحريات الواردة في الدستور او تحديدها الا بقانون او بناء عليه، على ان لايمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق او الحرية.

كما اقر هذا الدستور حق جميع الافراد في التمتع بكل الحقوق الواردة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الانسان التي صادق عليها العراق، والتي لاتتنافى مع مبادئ واحكام هذا الدستور... ولابد ان نشير الى ان الدستور العراقي قد ضمن حقوق الانسان باعتبارها العمود الفقري للحرية والمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وصيانة هذه الحقوق قانوناً، وضمن حقوق الاسرة والامومة والطفولة وحمايتها.

ان اقرار هذه الحقوق والحريات يتطلب ان تأخذ الدولة على عاتقها توفير آليات لضمان ممارسة تلك الحقوق والحريات وصيانتها، مع التركيز على ضرورة تحقيق الترابط الحقيقي والفعلي بين جميع هذه الحقوق والحريات بما يضمن في الدستور ارساء اسس ومبادئ شفافة وقوانين كفيلة لبناء دولة ومجتمع ديمقراطي.

 اما على صعيد الواقع فبناء الديمقراطية لا يأتي من فوق او من الخارج فحسب، بل لابد من توفير الظروف الملائمة لنموها كما تتطلب في وضع مثل العراق مرحلة للتحول من النظام الشمولي ومؤسساته وقوانينه وآلياته وثقافته الى وضع اسس النظام الديمقراطي وبناء مؤسساته وقوانينه والياته وثقافته، وهي امور في غاية الصعوبة والتعقيد.

 ان اولى التعقيدات او الاشكاليات التي يعيشها العراق هي سيادة ثقافة العنف والاقصاء وسيطرة مفهوم القوة على مفاهيم التسامح والحوار والتفاوض، ومفهوم العشيرة والطائفة والعرق على مفهوم المواطنة، اضافة الى ما افرزته ظروف العراق الاستثنائية وعسكرة المجتمع والحروب والحصار الاقتصادي من انهيار نظام القيم، وبرزت اكبر المخاطر على ارساء الديمقراطية في الاعمال المسلحة والتخريب والارهاب بمختلف اشكاله وفساد الاجهزة الحكومية المختلفة وغياب القانون وضعف الحكومة. وضعف المجلس التشريعي، سواء الجمعية الوطنية او المجلس النيابي، والتجاوز على الدستور من قبل القوى السياسية المساهمة في العملية السياسية، والفوضى التي يعيشها العراق بكل الاتجاهات، ومايمكن ان يسمى بازمة تشكيل الحكومة.

كل هذه الاشكاليات تجعل عملية  ارساء المؤسسات والفكر الديمقراطي حالة معقدة وشائكة، فلابد من اعادة النظر في كل مسيرة المجتمع وصياغة قوانين وبناء مؤسسات وفكر ثقافة ديمقراطية وفق واقع العراق وظروفه وليس وفق فرضيات ومبادئ لمجتمعات متقدمة مضت على الديمقراطية فيها قرون عديدة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الصباح-6-5-2006