تقييم محايد لمسيرة الائتلاف العراقي الموحد!

(الجزء الثاني)

 

رياض الحسيني

 

بالرغم من حصد الائتلاف العراقي الموحّد 148 من مجموع 275 مقعدا في مجلس النواب في الانتخابات الاولى كانون الثاني 2005 الا ان تشكيل الحكومة قد اخذ وقتا اكثر مما يستوجب خصوصا وان قانون ادارة الدولة قد اوضح مراحل الانتقال الى الحالة الدائمة للعراق الجديد موضحا تلك المراحل في مواعيد محددة. فمناقشات تشكيل الحكومة الانتقالية لم تكن سهلة خصوصا بعد اعلان هيئة علماء المسلمين فتواها بوجوب مقاطعة الانتخابات الامر الذي جعل تشكيل حكومة متوازنة فيما بعد صعبا نظرا لغياب التمثيل السني الذي يعكس حقيقة التركيبة الطائفية في العراق. الا ان ذلك لايعني غياب التمثيل السني بشكل كامل في البرلمان فطرحت بعض الشخصيات الليبرالية السنية برامجها الانتخابية وحصدت بعض المقاعد البرلمانية فقائمة "عراقيون" على سبيل المثال التي تزعمها اول رئيس عراقي بعد الاطاحة بالديكتاتورية كان سنيا فيما هو الشيخ غازي عجيل الياور احد ابرز شيوخ "شمّر". علاوة على ذلك فان قائمة الائتلاف العراقي الموحّد لم تقتصر على الشخصيات الشيعية فقط وانما حوت اضافة الى شخصيات تركمانية وكردية معروفة بعض الوجوه السنية البارزة الامر الذي اضاف الى البرلمان نوعا من التوازن الطائفي والعرقي ايضا. هذه الالتفاتة تحسب للائتلاف العراقي الموحّد وتؤكد غياب حساسية الائتلاف والقائمين عليه من الاخر ايا كان شريطة الا يكون قد ساهم بشكل فاعل ورئيس في قمع الشعب العراقي وتبديد ثرواته.

خلافات تشكيل الحكومة الانتقالية لم تقتصر على مناقشات الائتلاف العراقي مع الاكراد او الاطراف السنية لتشكيل حكومة وحدة وطنية فحسب وانما امتدت الخلافات حتى وصل مداها بين الاطراف الشيعية ايضا وذلك على خلفية الارتباط العقائدي وتوزيع المناصب السيادية. فواجه الائتلاف العراقي الموحّد ممانعة قوية من القائمة العراقية الوطنية التي تزعمها الليبرالي العراقي الدكتور اياد علاوي زعيم حركة الوفاق والذي حصدت قائمته اربعين مقعدا وهو رقم لايستهان به في مجلس للنواب قوامه 275 عضوا. فكان شرط اشتراك الدكتور اياد علاوي للدخول في تركيبة الحكومة ان تعهد اليه رئاسة الوزراء وهو ماقوبل بالرفض القاطع من جانب اعضاء الائتلاف الذين يضمن لهم قانون ادارة الدولة الحق في رئاسة الوزراء فضلا عن الاستحقاق الانتخابي. وبذلك خرجت ثالث اكبر كتلة برلمانية من المفاوضات الامر الذي اعطى انطباعا للمراقب ان الحكومة التي ستتشكل ماهي الا حكومة "شيعية-كردية"! الحقيقة ان قائمة الدكتور اياد علاوي لم تشترك دعائيا واعلاميا فقط في حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري الذي انتخب لرئاسة الحكومة فيما بعد، الا انها كانت فعليا تعمل مع الحكومة وقريبة جدا من مواقع القرار واللجان الوزارية والمناصب العليا. وما وجود تسعة من اعضاء القائمة العراقية الى جانب اعضاء لجنة كتابة الدستور الا اوضح دليل الى مانذهب اليه.

وبذلك فقد استطاع الائتلاف العراقي الموحّد ان يسحب القائمة العراقية من جهة المعارضة الى جهة التحييد على الاقل في ظرف تواجه فيه حكومة الدكتور الجعفري ملفات صعبة للغاية. اما ابرز هذه الملفات الساخنة التي كانت تنتظر حكومة الائتلاف العراقي الموحّد فهي :

1.الملف الامني بتعقيداته وظروفه الغامضة والايته المشتتة بين جهات عدة

2.قوات الاحتلال وارادة المحتل التي تخنق الوطن والمواطنين

3.الملف الاقتصادي المتدهور والبنى التحتية المهدّمة والمستهدفة

4. ملف التعويضات واعادة الملكية والمهجّرين والمهاجرين

5. ملف الفساد الاداري والمالي في كل مرافق الدولة

6.ملف اعادة اعمار العراق بكل ملابساته وتعقيداته

7.ملف "حالة كركوك"

الى غير ذلك من الملفات المعقدة والتي كانت بحاجة الى وقت كبير ومعالجة جذرية حقيقة لم يكن بوسع حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري معالجتها بجدية وفاعلية. كل ذلك قد زاد من تفاقم النقمة على حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري من داخل الائتلاف هذه المرة. الحقيقة التي غابت عن هؤلاء ان الفترة التي شغلتها حكومة الدكتور الجعفري رسميا هي سبعة اشهر وذلك من ايار حتى الانتخابات الثانية في كانون الاول 2005. اضف الى ذلك فان حكومة الجعفري لم تكن حكومته الا اسميا بمعنى ان وزراءها كانوا يتلقون اوامرهم من قياداتهم الحزبية والطائفية والعرقية وليس من رئيس الوزراء؟! فلم يكن مثلا بوسع رئيس الوزراء تحرير "لفت انتباه" الى اي وزير فضلا عن امر اقالته نظرا لتقصيره في اداءه او نظرا لاختلاسه بعض اموال وزارته! وبذلك افرغت التيارات العرقية والطائفية حكومة الدكتور الجعفري من سلطتها وتركتها عاجزة عن العمل بجد وفاعلية. الا ان ذلك لا يعني ان حكومة الائتلاف العراقي الموحّد-كما يحلو للبعض تسميتها- لم تقم باي شئ، بل على العكس فبرغم التحديات الكبيرة والتربص والغمز واللمز فان الانجازات جاءت كبيرة ايضا وعلى سبيل المثال لا الحصر :

1.اسقاط اكثر من نصف مديونية العراق للدول الاخرى

2.تفعيل دور العراق كعضو فاعل في المؤسسات الدولية واعادة تأهيل الدبلوماسية العراقية

3.تشكيل وحدات جديدة من الجيش العراقي والشرطة والامن الوطني وتدريبها على مفاهيم حقوق الانسان واحترام القانون مع تجهيزها تجهيزا جيدا وتدريبها تدريبا فاعلا.

4. تهيئة الاجواء الداخلية لانتخابات مجلس النواب الثانية

5. استقطاب القوى السنية التي عارضت الانتخابات الاولى للمشاركة بفاعلية في لجنة كتابة الدستور

6. اعادة ربط الجسور مع الفعاليات السياسية العراقية الاخرى والتي لها حضور ميداني وتاييد شعبي كبير والتي دخلت في صراع مع حكومة الدكتور اياد علاوي من قبل الامر الذي شكّل قطيعة بينها وبين الحكومة.

7.تهيئة الاجواء المناسبة لاجراء الاستفتاء على الدستور الدائم للبلاد

8.اطلاق الحريات السياسية والاعلامية وحرية الفكر والنشر والتعبير عن الرأي في سابقة لم يعهدها العراقيون منذ عقود

9. اعطاء مساحة واسعة لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات الانسانية للقيام بدورها

10. تشكيل محكمة نزيهة ومستقلة وعلنية لمحاكمة رموز النظام السابق

11.ضمان استقلال ونزاهة القضاء العراقي بشكل كبير

هذه الانجازات وغيرها ساهمت وبشكل كبير في ارساء دعائم الاستقرار السياسي في العراق. اما عن اهم الاخفاقات والمآخذ التي تؤخذ على حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري فهي :

1. الاخفاق في فتح قنوات اتصال مع المجاميع المسلحة والتي تتخذ من المنطقة الغربية ملاذا لها كان يمكن ان تشكّل خطوة اولى نحو التهدئة النهائية بدلا من استخدام القوة من دون لغة للحوار

2. استعداء الليبراليين واستبعاد الوطنيين العلمانيين في خطوة غير محسوبة النتائج نحو الانغلاق على الاسلاميين فقط

3. التباطؤ الواضح في تفعيل قانون اجتثاث البعث فضلا عن الانتقائية التي تعامل بها هذا القانون مع الافراد

4.عدم ملاحقة البعثيين السابقين من الذين هربوا الى بعض الدول العربية بكل الاموال التي سرقوها من البلد

5. عدم تفعيل قانون محاربة الارهاب بشكل يحد من عملياتهم اليومية ضد المدنيين والبنى التحتية.

6. رفع اسعار البنزين ثلاثة اضعاف

كاتب صحفي وناشط سياسي عراقي مستقل

وكل ذلك بحسب راي رياض الحسيني في المصدر المذكور .

المصدر : البديل الديموقراطي – 30-4-2006