نظرة قانونية:

                 المعالجة الـقانونية لتشكيل الحكومة

  

الدكتور فلاح اسماعيل حاجم

 

تقف الدولة العراقية في الوقت الراهن امام مفترق بالغ الخطورة, حيث تتكثف وتتكرر المحاولات لاشعال الفتنة الطائفية وتعطيل الجهود الوطنية الرامية الى استكمال العملية السياسية واقامة مؤسسات الدولة الدائمة وخصوصا جهازها التنفيذي (الحكومة) والتي سيكون من بين اهم اهدافها استعادة امن المواطنين والدفاع عن ارواحهم وممتلكاتهم امام الهجمة الارهابية والجريمة المنظمة, بالاضافة الى محاربة الفساد الاداري والذي بات يهدد اسس الدولة ذاتها. لذا فان من بين اهم المسائل التي تواجه القوى السياسية الفاعلة على الساحة العراقية هي قطع الطريق على القوى التي تحاول افشال التجربة العراقية الوليدة. واذا شكلت الأنتخابات السابقة والاستفتاء على دستور بلادنا الدائم محطات هامة على طريق اقامة دولة الحق والمؤسسات, فان مسألة تشكيل الحكومة الدائمة لا تقل اهمية, ذلك ان حجم المهمات الملقات على عاتق الحكومة المقبلة يجعلها على قدر كبير من الاهمية والخطورة. هذا من جهة ومن جهة اخرى فأن ولادة الحكومة العراقية المقبلة ستتم في ظروف بالغة التعقيد وفي ظل واقع امني خطير للغاية مما يستوجب التوقف بمسؤولية كبيرة ازاء نوع الحكومة المقبلة وكيفية اختيار كادرها الاساسي .

ان واحدة من القضايا التي باتت تشكل معضلة وموضوع جدل بين القوى السياسية العراقية هي اشكالية التوفيق بين الاستحقاقين الانتخابي والوطني خلال عملية تشكيل الحكومة المقبلة, وهي اشكالية وان بدت شائكة, فأن امكانية ايجاد حلول لها تبدو ممكنة وخصوصا عند مراجعة التراث الدستوري للكثير من الدوّل التي نهضت من ركام الانظمة الشمولية وحروبها المدمرة. فالكثير من تلك الدوّل, وحتى تلك التي قطعت شوطا طويلا في طريق البناء الديمقراطي والمؤسساتي, تجد نفسها مضطرة لتغليب المصلحة الوطنية العليا على المصالح الحزبية الضيقة. وربما كانت حكومة التكنوقراط الاكثر ملائمة لبلد خرج للتو من بين حطام اقسى دكتاتورية عرفها التاريخ المعاصر.

من هنا اجد من المناسب الخوض في موضوعة الحكومة واغنائها خصوصا وان الكثيرين, حتى بين اوساط المثقفين , يقعون فيما يمكن ان نطلق عليه الاخطاء الشائعة, اذ يتم الخلط مثلا بين الحكومة و الدولة مما يجر بالنتيجة الى الخلط بين واجبات الحكومة كجهاز تنفيذي ومهام اطارها الاوسع (اي الدولة). فعلى اساس التركيبة الحزبية يمكننا تمييز حكومة الحزب الوا حد, اي تلك التي كانت منتشرة(ولا زالت) في بقايا الدول الاشتراكية والكثير من الدول النامية, اذ يكرس الدستور او القانون انفراد حزب واحد بالسلطة, وحتى و ان سمح لاحزاب اخرى , فان وجودها لا يعدو ان يكون شكليا اذ يمنح القانون قيادة الدولة و المجتمع للحزب القائد. هذا بالاضافة الى ان وثائق الحزب تعتبر رديفا للقواعد الدستورية ان لم تكن اكثر قوة منها.

وفي الجمهوريات و الملكيات البرلمانية تعمد الاحزاب الى تشكيل حكومة الائتلاف عند عدم فوزها باغلبية المقاعد البرلمانية حيث يتم توزيع الحقائب الوزارية بين قيادات تلك الحزاب على اساس اتفاقات مسبقة. ان صمود و ديمومة هكذا حكومات يتوقف على متانة العلاقة بين الاحزاب المؤتلفة ونجاح ادارة اللعبة السياسية, وهنا يبرز دور الفرد - السياسي في نجاح الحكومة او اخفاقها. ان هذا النوع من الحكومات يمكن مصادفته في دول مثل ايطاليا, فنلندا, الهند, الدنمارك, اليابان.. وغيرها.

ان واحدا من اشكال الحكومة الائتلافية تلك التي يتم تشكيلها في الظروف الاستثنائية مثل حالات الحروب والاحتلال و الكوارث....وغيرها. وعادة ما يتم تشكلها تحت عناوين ومسميات مختلفة ( حكومة الطوارى, حكومة الوحدة الوطنية, جبهة الانقاذ...الخ) ويمكن ان يدرج هذا النوع من الحكومات ضمن الحكومات المؤقتة حيث تثبت التجربة ان انفراط عقد حكومة الطوارى يبدو محتملا عند زوال الاوضاع الاستثنائية. وهنا اجد مناسبا ان المهمات التي تواجه الحكومة العراقية المرتقبة من الضخامة بحيث تبدو دورتها الاولى (السنوات الاربع القادمة) قليلة جدا وغير كافية لأنجاز ولو جزء بسيط من برنامجها المتشعب.

من بين انواع الحكومات المؤقتة يمكن الاشارة الى حكومة الاقلية , اي تلك التي تشكل من الاحزاب الصغيرة في البرلمان عند اخفاق الحزبين الرئيسيين المتنافسين بالحصول على اكثرية المقاعد البرلمانية (اليابان و تركيا في التسعينيات من القرن الماضي).

كثيرا ما يتردد في وسائل الاعلام مصطلح حكومة تمشية الامور او الحكومة الخدمية او الحكومة العملية(مثلما يطلق عليها في فنلندا). هذا النوع من الحكومات يمكن مصادفته في دول الديمقراطيات البرلمانية, عندما لا تتمكن الاحزاب المساهمة في الانتخابات من الحصول على اكثرية المقاعد البرلمانية المؤهلة لتشكيل الحكومة, حينذاك يوكل الدستور مهمة تشكيل الحكومة الى رئيس الدولة( الملك او الرئيس), وتكون من بين اهم واجبات هذه الحكومة تنظيم اجراء انتخابات جديدة حيث تنتهي صلاحية هكذا حكومة حال تشكيل الاكثرية البرلمانية للحكومة الدائمة (بلغاريا 1997, تركيا 1998) . ويطلق بعض الفقهاء على هذا النوع من الحكومات تسمية حكومة المختصين(التكنو قراط), و مع ان هذه الحكومة يمكن ان تضم ممثلي الاحزاب الممثلة ببرلمان الدولة, الا ان الانتماء السياسي لعضو الحكومة لا يمكن ان يكون الاساس عند الاختيار, ذلك ان عضو الحكومة (الوزير) يقوم بتنفيذ برنامج الحكومة وخططها وليس برنامج حزبه السياسي. يصنف علماء القانون الدستوري كذلك الحكومات اللا حزبية( اقول اللاحزبية لتمييزها عن بعض الانواع الانفة الذكر والتي تعتبر لا حزبية ايضا), حيث نجد هذا النوع في الدول التي لم يؤد التمايز الطبقي فيها الى نضوج احزاب سياسية (الامارات العربية و قطر مثلا) او تلك التي تحرم قوانينها نشاط الاحزاب السياسية (السعودية, عمان, الكويت...الخ). هنا يتم تقاسم الحقائب الوزارية فيما بين افراد الاسرة المالكة, على ان هذه الحكومات لا تخلو من عناصر التكنوقراط ايضا و خصوصا عندما لا يوجد بين افراد العائلة الحاكمة متخصصون بهذا الجانب او ذاك (الصحة, الاقتصاد, الموارد المائية...الخ). وكثيرا ما يتم تشكيل الحكومة ليس على اساس القواعد الدستورية وانما بحكم الاستيلاء على السلطة بالقوة وعن طريق الانقلابات العسكرية. ويزخر تاريخ البلدان النامية بهذا النوع من الحكومات, التي عادة ما يتم اضفاء الشرعية عليها من خلال تحويلها الى حكومات مدنية بعد فترة انتقالية, ومن خلال اجراء انتخابات تؤمن لرئيس الدولة نسبة اصوات, تزيد في العادة, عن ال90%. عند الحديث عن الحكومات لابد من الاشارة الى نوع نادر الحدوث في تأريخ التطور الدستوري المعاصر ألأ وهو حكومة الجمعية او النظام المجلسي, والذي يتميز بانعدام المساوات بين السلطتين التشريعية و التنفيذية حيث تكون الاخيرة منفذة لاوامر الاولى وتابعة لها. وقد ذهب بعض فقهاء القانون الدستوري الى اعتبار ذلك اخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات. ذلك ان البرلمان في النظام المجلسي يتحول الى سلطة تنفيذية مما يؤثر سلبا على وظيفته التشريعية و كيفية سن القوانين و تنفيذها. و يمكننا العثور على نماذج لتلك الحكومات في التأريخ الفرنسي ( حكومة الجمعية التأسيسية- 1884 و حكومة الجمعية الوطنية 1871) وعرفت تركيا حكومة الجمعية على اساس دستورها لعام 1924 و النمسا كذلك بدستورها لعام 1920. ).

انني ارى ان الاسراع بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتفعيل دور الجهاز التشريعي للدولة (مجلس النواب) باعتباره جهازا رقابيا الى جانب اختصاصه التشريعي, بالاضافة الى تفعيل المؤسسة القضائية وضمان استقلالها سيكون له بالغ الاهمية في التأسيس لدولة الحق والمؤسسات.

استاذ جامعي متخصص بالقانون الدستوري

وكل ذلك بحسب رأي الدكتور فلاح إسماعيل حاجم في المصدر المذكور.

المصدر:البيت العراقي-19-4-2006