إصلاح الحياة الحزبية

  

عاطف الغمري

 

المعروف أن أحزابا في مصر‏,‏ عاكفة الآن علي دراسة نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة‏,‏ وماظهر فيها من ضعف أدائها‏,‏ وشحوب صورتها في عيون الناخبين‏,‏ وعدم وصول أفكارها للجماهير‏,‏ وابتعادهم ـ عن العملية السياسية‏,‏ برمتها‏.‏ والمفترض ألا يحصر كل حزب ضالع في هذه المراجعة‏,‏ رؤيته في زاوية منظوره الحزبي الخاص‏,‏ فالظاهرة طالت الكل‏,‏ ولنفس الأسباب‏,‏ ولم تستثن حزبا‏,‏ وإن تفاوتت درجات التأثر‏.‏

ولو أن من الأحزاب من اعتبر محنة الوفد الأخيرة‏,‏ حالة وفدية‏,‏ تخص أصحابه‏,‏ مادام هو خارج أسواره‏,‏ لكان قد تجاوز استيعاب الصورة بكافة تفاصيلها‏,‏ فالمحنة صنعتها أسباب عامة يعيشونها جميعا معا‏.‏ قبل الظروف الداخلية في أي حزب‏,‏ خاصة أن ماجري للوفد لم يكن أزمة حزب هامشي أو عشوائي‏,‏ لكنه أقدم حزب ليبرالي في مصر‏,‏ ووراءه تراث وتاريخ‏.‏

لقد مضت ثلاثون سنة علي اعادة نظام الأحزاب في مصر‏,‏ بعد فترة تجفيف للحياة الحزبية‏,‏ منذ حل الأحزاب عام‏1953,‏ وكانت هذه العودة اطلاقا لعملية‏,‏ تكون مقدمة لخطي متلاحقة تصل الي اكتمال هدف إقامة حياة ديموقراطية‏,‏ بأركانها الثلاثة الرئيسية‏:‏ ـ التعددية‏,‏ وحرية التعبير‏,‏ وتداول السلطة‏.‏

ولما كانت هناك قاعدة أساسية هي أنه لا ديموقراطية بدون أحزاب قوية قادرة علي أن يتنافس كل منها مع الآخر من موقع الندية‏,‏ وليس بإنفراد حزب واحد مهيمن‏,‏ وأن تدور بقية الأحزاب في فلكه‏,‏ أو أن تكون موجودات شكلية‏,‏ لإستكمال الصورة الخارجية للديموقراطية‏,‏ دون جوهرها‏,‏ فإن وضعا كهذا كان لابد أن يطبع بصماته علي الحياة السياسية كلها‏,‏ وعلي كافة الأحزاب القائمة‏,‏ وان يخلق فراغا سياسيا‏,‏ تتحرك لتشغله ظواهر عشوائية منفلتة‏,‏ من الطبيعي أن تنشط في هذا الفراغ‏,‏ وأن تعبر عن نفسها‏,‏ بسلوكيات عديدة‏,‏ بعضها ينعكس علي الحياة السياسية‏,‏ وعلي مواقف الناخبين‏,‏ بالإضافة الي السلوكيات داخل الأحزاب‏.‏ وهذه السلوكيات شئ منفصل عن الثقافة الحزبية‏,‏ التي كان يفترض أن تنمو وتتفرع وتنتشر وتمد لها جذورا في التربة السياسية‏,‏ لو أن البداية لعملية إعادة الأحزاب عام‏1976,‏ سارت في طريقها المشروع لخلق حياة حزبية وديموقراطية بشروطها المعروفة والمستقرة‏,‏

ثم ماتلا الانتخابات التي لم يشارك فيها‏75%‏ من الناخبين ـ من صدامات‏,‏ وإنشقاقات‏,‏ وخلافات‏,‏ داخل الأحزاب‏,‏ وصل بعضها الي ممارسة سلوكيات الصدام بدل الحوار‏,‏ وما شهدناه من إصرار رئيس حزب الوفد السابق‏,‏ علي التمسك برئاسته رغما عن إرادة الغالبية في حزبه‏,‏ في سلوك ينزع عن الحزب راية دفاعه عن قضية الديموقراطية وتداول السلطة‏...‏ هذه الحياة الحزبية غير متكاملة الشروط والأركان‏,‏ تكالبت عليها أسباب تزيدها وهنا علي وهن‏,‏ خاصة في الفترة الأخيرة‏;‏ من البلطجة التي مارستها عناصر في الانتخابات البرلمانية بشكل علني‏,‏ وماتشربته الأحزاب من ثقافة مناخ عام يأخذ بمظهرية التعددية وليس مضمونها‏,‏ وانقطاع التواصل بين الأحزاب والجماهير وهمومها اليومية الضاغطة‏,‏ وشعور الأحزاب بأنها محاصرة سياسيا‏,‏ مما خلق عندها شعور المحاصر داخل خندق‏,‏ فاكتسبت سلوكيات من حدة الطبع والتحفز السلوكي‏.‏ كل ذلك أفرز ظواهر أمسكت بتلابيب الحياة الحزبية كلها‏,‏ ونفذت عبر اسوار الأحزاب‏,‏ فصبغت الممارسات الداخلية‏,‏ بحيث صار هذا شبيها بذاك‏.‏

ويمكن أن نلاحظ من بين هذه الظواهر‏:‏

‏1)‏ ضمور القدرات السياسية للحزب ككيان بشكل عام‏,‏ وضمور أنماط التفكير السياسي لدي بعض القيادات‏,‏ نتيجة حرمانها هي وأحزابها‏,‏ من أسباب النمو الطبيعي للكيانات السياسية‏.‏

ولما كان ماجري بينها وبين الدولة في الفترة الأخيرة الماضية قد خلا من معني كونه حوارا‏,‏ وحيث إن الحوار هوعملية تفاعل ـ أخذ وعطاء ـ تنتهي الي توافق سياسي‏,‏ فإن ماجري كان ينتهي إلي مواقف انفرادية وليست جماعية توافقية‏,‏ فإن ذلك إنعكس بالتالي علي نوعية الحوار داخل الكثير من الأحزاب‏,‏ وعلي طبع عقلية بعض القيادات بالروح الانفرادية‏.‏

‏2)‏ الاحتقان‏..‏ وهو مصطلح شاع في الفترة الأخيرة‏,‏ تعبيرا عن الإنفلات السلوكي الناتج عن تراكم الضغوط المادية والنفسية‏,‏ حين لاتجد لها متنفسا في ممارسة كاملة للحرية‏,‏ والتعبير‏,‏ والتأثير‏,‏ والمشاركة‏,‏ بالموافقة‏,‏ أو المنع لقرارات وسياسات لاتحظي سواء بالرضا العام‏,‏ أو برضا جماعة لها مصلحة ذات خصوصية فيها‏,‏ من ثم يبحث الذين مسهم الإحتقان‏,‏ عن منافذ للتنفيس‏,‏ تتخذ أحيانا أشكالا خارجة علي المألوف والتقاليد‏,‏ وربما علي المصلحة العامة‏,‏ وقد يتناقض تصرفها مع هوية ومواقف ودعاوي الذين يمارسونها‏.‏

‏3)‏ المواطن يتكيف مع الوضع الاستثنائي مادام المتفق عليه انه استثناء‏,‏ تعود بعده الأمور الي وضعها الطبيعي‏,‏ أما حين يطول أمد الاستثناء دون أن يكون له نهاية موقوتة ومنظورة‏,‏ ففي هذه الحالة تتشكل في إطار هذا الوضع غير الطبيعي‏,‏ سلوكيات غير طبيعية‏,‏ يفرزها هذا الوضع الذي يتحول الي ثقافة تكون لها بالضرورة مكوناتها غير المألوفة أو المقبولة‏,‏ طالما أن منبعها الاستثناء‏,‏ وهو وضع غير مقبول‏,‏ إلا بشرط كونه موقوتا‏,‏ بسبب ظروف عارضة أوجدته‏,‏ لكن طول الإستثناء بقانون طوارئ‏,‏ انما يخيم بغيومه القائمة فوق المجتمع‏.‏

‏4)‏ عدم الوضوح الكافي لقضايا‏,‏ تتصل بالحاضر والمستقبل سياسية واقتصادية‏,‏ سواء مايتعلق بالإصلاح السياسي‏,‏ والدستور‏,‏ وشكل الحكم ومستقبله‏,‏ أو بقضايا اقتصادية تثير قدرا كبيرا من اللبس‏,‏ الذي يخلق تشوشا في خضم مايجري‏.‏ وهو مايخلق شعورا لدي المنخرطين في العملية السياسية‏,‏ بأنهم خارج اللعبة‏,‏ وتصير سلوكيات البعض منهم متسمة بالتأهب والتحفز‏.‏

هذه الأسباب أو بعضها ربما تكون قد انعكست علي أزمة الوفد الأخيرة‏,‏ رغم عراقة الحزب الذي تأسس رسميا عام‏1924,‏ وعاد للحياة السياسية بحكم قضائي عام‏.1978‏ أن ماجري للوفد لايخصه دون سواه‏,‏ فهو إفراز لحياة حزبية تنقصها أهم أركانها‏,‏ وهو وجود حزب معارض أو أكثر‏,‏ قوي‏,‏ يمارس علاقته التنافسية مع الحزب الحاكم‏,‏ وكلاهما ـ من موقع المنافسة ـ يبعث في الآخر الحيوية‏,‏ والعزم‏,‏ إرتقاء مستوي الأداء‏,‏ وذلك بدوره ينعش روح الحياة السياسية برمتها‏,‏ وينهي مقاطعة الذين لهم حق التصويت‏,‏ للحياة السياسية‏.‏

وكل ذلك بحسب رأي عاطف الغمري في المصدر المذكور.

المصدر: الأهرام المصرية-12-4-2006