معركة استقلال الصحافة.. والقضاء
صلاح الدين حافظ
تجتذب معركة استقلال الصحافة والقضاء في مصر, الدائرة الآن بقوة غلابة, كل الانتباه والتركيز, انتباه الساعين لكسب الاستقلال والحرية لهاتين الهيئتين المهمتين, وتركيز الراغبين في إجهاضها وعرقلة أي إصلاح فيهما معا.. ولذلك ليس غريبا أن تطفو علي سطح الأحداث, المعركة التي تخوضها الصحافة والصحفيون, لتعديل التشريعات القائمة, وإلغاء ما فيها من عقوبات سالبة للحرية, وفي مقدمتها عقوبة الحبس في قضايا الرأي والنشر.. وبالمقابل لايقل عنها أهمية تلك المواجهة التي يخوضها القضاة, من خلال ناديهم, تمسكا بقانون إصلاح الهيئات القضائية, الذي سبق أن تقدموا به, بهدف تحقيق أعلي درجة من استقلالهم, الذي ترجوه كل القوي.. وبقدر ما أن الصحفيين والقضاة يشكلون اليوم, طليعة القوي الاصلاحية والديموقراطية في مصر, الأكثر نشاطا وكفاحا, دفاعا عن بناء وطن ديموقراطي حقيقي, بقدر ما أن أعداء الحرية معرقلي الاصلاح الديموقراطي الحقيقي, يبذلون كل الجهود, ليس فقط لمنع أو تأجيل اصدار التشريعات والقوانين التي يطالب بها الصحفيون والقضاة, بل لتفتيت صفوفهم جميعا واختراقهم من الداخل لإفشال المعركة من أساسها. والحقيقة إنه لشئ محزن أن يتحدث كبار المسئولين في الدولة, ليل نهار, عن الاصلاح الديموقراطي, ثم يتركون صغار المسئولين وكتائب المنافقين والانتهازيين وترزية القوانين ضعاف الحرفة والموهبة, يعيثون فسادا ويعرقلون كل خطوة ايجابية, بذرائع سطحية هشة! وها هي عشر سنوات تقريبا, قد مرت منذ أن تقدم نادي القضاة, بمشروع قانون لإصلاح الهيئات القضائية, وتحقيق استقلالها, مثلما دخلت علينا السنة الثالثة, منذ أعلن الرئيس حسني مبارك, الغاء عقوبات الحبس في قضايا الرأي والنشر.. إلا أن الواقع يشهد أن الملفات السرية في الأدراج الخفية, قد ابتلعت هذا وذاك عن عمد وسوء نية, وكأنما المطلوب هو زيادة تأزيم العلاقات المأزومة أصلا بين الدولة وهيئتين علي هذه الدرجة من الخطورة والتأثير, وهما الصحافة والقضاء.. وها هو التأزيم المتعمد يؤتي ثماره الخبيثة, وتتعقد العلاقات, وتغلي الهيئتان بالغضب, وصولا للتصعيد المبرمج, ابتداء بالوقفات الاحتجاجية للقضاة, ثم للصحفيين, في عرض الشارع في سوابق نادرة! وبرغم ايماني بأهمية الخطوات الإصلاحية الأخري, في المسار الديموقراطي المرغوب, مثل التعديل الدستوري وإطلاق الحريات العامة, واستقلال السلطات الثلاث, والغاء حالة الطوارئ وباقي المنظومة القانونية الاستثنائية, فإنني أعطي الأولوية لتحقيق استقلال الصحافة والقضاء, فهما جناحا الديموقراطية الحقة, حيث تبقي حرية الرأي والتعبير والصحافة من ناحية, واستقلال القضاء النزيه, من ناحية أخري, أبرز ملامح الحكم الصالح الرشيد في أي مكان أو زمان. ولأنهما معا يشكلان رأس الحربة, في مواجهة تحالف الفساد والاستبداد, فإن هذا التحالف الشرس, يقاتل معركة أكثر شراسة, ضد حريتهما واستقلالهما, لأنه يدرك أن الصحافة الحرة ستكشف بؤر الفساد وقوي الاستبداد, وأن القضاء العادل المستقل سيتولي مسئولية المحاسبة القانونية والمساءلة الكاشفة علي الدوام لهذا السوس, الذي ينخر في خلايا المجتمع!! وها نحن نشهد كيف أن الجهود التي تبذلها الصحافة, برغم القيود ـ لفضح الفساد, وتعرية بؤر الاستبداد, ودفعها دفعا لساحات القضاء ـ تواجه بحملة عنيفة تهاجم الصحافة والقضاء معا, وتطالب بشعار خادع تقنين الحرية لضبط آداء الصحافة والحد من تهور الصحفيين, أي باختصار إبقاء القيود والضغوط الشديدة المفروضة علي حرية الصحافة والرأي, وعرقلة الإقدام علي اصلاح تشريعي حقيقي يطلق هذه الحرية, في إطار من المسئولية القانونية والمهنية والأخلاقية, المتعارف عليها في العالم كله, ذلك أننا نعرف أن الحرية مسئولية, وليست فوضي! وكلما زادت مطالبة الصحفيين والقضاه تحديدا, بتحريرهم من الأسر البيروقراطي والتحكم الإداري, واجهتهم ضغوط عاتية وحملات تعبئة ضد حرية الصحافة واستقلال القضاء, وللأسف فإن معظم هذه الضغوط والحملات, تديرها نخبة معادية للحرية, مازالت تعشش في ثنايا النظام, وتنافق الحكام, وتدعي علي الصحفيين والقضاة بالباطل, وصولا لاتهامهم, مثلا, بشبهة الخيانة الوطنية, لاتصالهم بمنظمات أجنبية, هبت لمساندة مطالبهم العادلة! وبرغم أنني ضد كل أنواع التدخل الأجنبي في الشئون الداخلية, فإن رفع تهمة فادحة, مثل الخيانة في وجه كل من يقول رأيا مختلفا, أو يمشي في طريق مغاير, أو يتمرد علي موقف سياسي, إنما يمثل كارثة بمعني الكلمة, هدفها قطع الألسنة وإخراس الأصوات وترويع الديموقراطيين الحقيقيين, لإبقاء الأوضاع المتردية علي حالها من التدهور.. ولعل أكثر ما يحزن, هو ما نشاهده ونلحظه هذه الأيام, من جهود حثيثة لاختراق الصحفيين والقضاة تحديدا, وتفتيت وحدتهم وتقسيم صفوفهم, ما بين الداعين للحرية والاستقلال إيمانا بمبدأ سليم, وبين المعارضين لذلك الأقرب إلي تحالف الفساد والاستبداد, المعادي أصلا لكل القيم الديموقراطية, وانظر الخلافات الحادة والتقسيمات الجديدة, بين نادي القضاة, والمجلس الأعلي للهيئات القضائية, وجماعة رؤساء محاكم الاستئناف, علي سبيل المثال, وكلها خلافات ناتجة عن الاختراق, وتقسيمات هدفها إجهاض الحركة الاصلاحية في القضاء! والأمر لايقل خطورة في الصحافة, حيث تجري الآن معارك عنيفة الاسلوب حادة الألفاظ, يتدني بعضها إلي درجة السوقية والابتذال الجارح للحياء الفاضح للقلوب المريضة والعقول المسطحة والأفكار الرخيصة.. وللأسف فإن ظواهر التجاوز والحرب الأهلية الصحفية التي نعايش بعض تجلياتها السلبية الآن, تنعكس بالضرورة علي سمعة الصحافة والصحفيين ككل, مثلما تنعكس علي الرأي العام الذي يشعر بالمرارة, من جراء التدهور المهني والأخلاقي الذي أصاب بعض صحافته, علي أيدي قلة ممن أمسكوا بالقلم فأخذتهم العزة بالإثم, وتجاهلوا المسئولية, فاعتدوا عنوة علي الحقوق والحريات, العامة والخاصة, في غيبة من الضمير.. لكن الأخطر أن أعداء حرية الصحافة, هم الأكثر سرورا وحبورا, من مثل هذه المعارك الصحفية المتردية, فإذا بهم يأخذونها مبررا وذريعة جاهزة, لعرقلة اطلاق حرية الصحافة, ولتعويق الاصلاح القانوني اللازم, لإلغاء عقوبة الحبس في قضايا الرأي والنشر, وباقي العقوبات السالبة للحرية في القوانين الأخري المتراكمة, ثم يقولون جهارا نهارا, إذا كان الصحفيون يكتبون ويفعلون ذلك الآن في ظل القوانين المقيدة, فماذا سيفعلون وماذا سيقولون, لو اطلقت حرية الرأي والتعبير!! وأظن أن اشعال المعارك الكلامية والخلافات الجانبية علي صفحات بعض الصحف ـ تهورا في بعض الحالات, نحو الخروج عن التقاليد المهنية والأخلاقية, بل ظلما لمفهوم حرية الرأي والتعبير, واعتداء عليها ـ إنما يقدم سلاحا جاهزا وباترا, لأعداء حرية الصحافة في معاركهم الشرسة دفاعا عن الفساد والاستبداد, وبالمقابل يمثل انذارا شديد اللهجة للكتاب والصحفيين جميعا, بأن عليهم أن يحولوا بين هدفهم الرئيسي, وهو اطلاق حرية الصحافة والرأي, وبين هذا الخروج عن التقاليد, والاعتداء علي حرية التعبير, وبالتالي فإن علي نقابة الصحفيين أن تمارس دورها الحقيقي في تطبيق ميثاق الشرف, علي الكبير قبل الصغير الآن قبل أن يفلت الزمام, ويقع المحظور... والمحظور الذي نعنيه هو ما نلمح بعض مؤشراته المخادعة هذه الأيام, حين تسمع وتقرأ لطلائع المبررين المفسرين, يقولون بلسان حلو وعبارات هادئة, إنه يجب الموازنة بين حرية الصحافة وحرية المجتمع, وأنه يجب وضع ضوابط قانونية عقوبات رادعة, حتي لا يعتدي الصحفيون والكتاب علي حريات باقي المواطنين, وينتهكون خصوصياتهم الشخصية!! والخديعة المخاتلة, هنا تريد اصطناع التناقض بين حرية الصحافة وحرية المجتمع, حرية الصحفيين وحرية باقي المواطنين, وهذه محاولة بائسة وتعيسة, إن انطلت علي بعض السذج, فهي لاتنطلي علي قوي المجتمع الحية, التي تدرك جيدا أن حرية الصحافة والرأي والتعبير, هي حرية لكل المجتمع بأفراده وقواه وفئاته المتعددة, وليست ميزة للعدد المحدود من الصحفيين والكتاب, مثلما تدرك أن المطالبة بإلغاء عقوبة الحبس في قضايا الرأي والنشر, لاتخص الصحفيين وحدهم أيضا, ولكنها تشمل كل المواطنين, ابتداء من المواطن الذي يصرخ في الشارع معترضا, أو الذي يرسل برقية لمسئول محتجا, أو يبعث برسالة لبريد القراء, يبث فيها شكواه وينفس عن همه الثقيل الكاتم علي صدره.. ولذلك قلنا من البداية, إن معركة حرية الصحافة, مثل معركة استقلال القضاء, هي معركة تحرير الوطن من قيوده! ** خير الكلام: حديث شريف: أفضل الجهاد, كلمة حق عند سلطان جائر. وكل ذلك بحسب رأي صلاح الدين حافظ في المصدر المذكور. المصدر: الأهرام المصرية-12-4-2006
|