مَن يشكّل الحكومة العراقية؟

 

في أسبوع واحد، ومن دون مقدّمات، طرحت ثلاثة سيناريوات لإنهاء أزمة تشكيل الحكومة العراقية: الأول والأبرز اجتماع في دمشق بمبادرة تركية ومباركة عربية، يضمّ ممثّلين عن القوى العراقية الفائزة في الانتخابات، من أجل عقد اتفاق (على غرار اتفاق الطائف اللبناني) برعاية سورية. الثاني اجتماع في طهران يبحث عن تسوية ممكنة في نهاية شهر رمضان، والثالث العودة بالأزمة الى مجلس الأمن بحثاً عن حلّ دولي بتفاهم أميركي مع الحلفاء الغربيين وموافقة عربية. والسؤال الذي يطرح نفسه: مَن ينتشل العراق من دوّامة اللاحلّ بعد انسحاب الأميركيين، وهل أنهى الأميركيون فعلاً مهمّاتهم القتالية؟

 دمشق لم تكشف أوراقها بعد، لكن المعلومات الواردة من واشنطن تؤكّد أن دولاً إقليمية مجاورة للعراق أبدت استعدادها لمبادرة من أجل حلّ الأزمة، بعد فشل مشروع جيفري فيلتمان القاضي بإبقاء نوري المالكي على رأس الحكومة، بعد تقليص صلاحياته، وتكليف إياد علاّوي رئاسة المجلس السياسي للأمن الوطني.

وتؤكّد مصادر كرديّة أن المبادرة تشبه الى حد بعيد «الطائف اللبناني»، وهي تلقى تأييداً سورياً ـ تركياً ـ سعودياً، وتقضي بجمع قادة الكتل السياسية العراقية في دمشق، بعد انتهاء شهر رمضان، من أجل عقد ما يشبه «الميثاق الوطني» اللبناني، وتوليف حكومة عراقية جديدة تصلح لإدارة مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي بدعم عربي وتركي وأميركي. وفي معلومات غير رسمية، أن دمشق استجابت لإلحاح أطراف عراقية عدّة للبحث عن حلّ عربي للأزمة، بعدما دخل العراق مرحلة خطرة وسط التجاذبات الإقليمية والدولية، يخشى معها انفلات الوضع أو اللجوء الى تشكيل حكومة عسكرية انتقالية تشرف على الأمن في انتظار التوافق السياسي.

في المعلومات أيضاً، أن السيناريوات المطروحة لتشكيل حكومة، بعد انقضاء خمسة أشهر ونصف الشهر على الانتخابات الأخيرة، هي أربعة: تشكيلة وزارية بمعزل عن المالكي تضمّ الأكراد والقائمة العراقية وإئتلاف عمّار الحكيم، أو تشكيل حكومة ذات طابع انتقالي برئاسة علاّوي يشارك فيها جميع الفائزين، أو الاكتفاء بحكومة إنقاذ عسكرية برئاسة علاّوي، والسيناريو الرابع ترك الحلّ للأمم المتحدة وإرغام القوى العراقية على القبول بالشروط الأميركية.

ويقول عارفون إن الادارة الأميركية لا تزال تسعى الى تجديد ولاية المالكي، لأنه يمسك بعدد من المفاصل القوية داخل المؤسّسة الأمنيّة، لكنها تعمل في الوقت نفسه على صياغة توافق ما مع علاّوي لإرضاء بعض الأطراف الإقليمية. ويذكّر هؤلاء العارفون بالخدمات التي قدّمها المالكي للولايات المتحدة إبّان ولايته، والتي تندرج فيها تنازلات تاريخية، أبرزها الاتفاقية الأمنيّة للعام ٢٠٠٨ التي تصادر السيادة العراقية لمصلحة الأميركيين، مع مراعاة التوجّهات الإيرانية بصورة غير معلنة.

في الوقت نفسه، كشفت معلومات محدودة التداول أن رئيس المجلس الأعلى الإسلامي عمّار الحكيم تلقّى دعوة خاصّة وعاجلة لزيارة طهران، والدخول في مفاوضات مباشرة مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر المقيم في إيران، تهدف الى تشكيل الحكومة الجديدة، بعد إعلان السفير الإيراني الجديد في بغداد أن الأزمة سوف تنتهي قبل نهاية شهر رمضان. وقد نقلت صحيفة «طهران نيوز» عن السفير حسن دانائي فار قوله: إننا نبذل جهوداً لتسهيل العملية.

في موازاة «المبادرة» السورية والمسعى الإيراني الجديد لإعادة توحيد الصف الشيعي، تردّد واشنطن أنه سيكون لقائمة «العراقية» (قائمة علاوي) دور أساسي في أي حكومة مقبلة يتّفق عليها العراقيون، مشدّدة على أن سحب القوّات في آخر الشهر لا يعتبر «فك ارتباط» مع العراق، بما معناه أنه لن تكون هناك هيمنة إيرانية على العراق، ولو أن طهران بالغت في لعب أوراقها حتى الآن. وبإيجاز ذي دلالة تسرّب واشنطن معلومات مفادها أن الولايات المتحدة «لن تترك العراق»، وهي تتطلّع الى تعزيز انخراطها المدني في مرحلة ما بعد الانسحاب، وسوف تفتح قنصليتين في البصرة وأربيل، وفرعين إضافيين للسفارة في الموصل وكركوك، وقد تمّ اختيار هذه المواقع من أجل مساعدة العراق ديبلوماسياً على حلّ الأزمات العالقة. وتؤكّد واشنطن ضرورة الاسراع في تأليف الحكومة واستيعاب أبناء العراق (قوّات الصحوة) في العملية السياسية، ودفع مستحقّاتهم والعمل على تفعيل الديناميكية العربية ـ الكرديّة، مع تلميح الى ضرورة الحد من التدخّل الإيراني في القرار العراقي الداخلي.

 خمس أساطير

في السياق نفسه، تعرض صحيفة «واشنطن بوست» لما سمّته «خمس أساطير حول انسحاب القوّات الأميركية» على الشكل الآتي:

لأسطورة الأولى تقول بأن انسحاب القوّات يعني انتهاء العمليات القتالية في العراق، وتعلّق على ذلك بالقول: هذا الانطباع ليس واقعياً، لأنه سوف يبقى في العراق خمسون ألف جندي معظمهم جنود مقاتلون، والذي تبدّل هو اسم وحداتهم فقط «من قوّات قتالية الى قوّات إرشاد ونصح ومساعدة».

لأسطورة الثانية تقول إنه بفضل «استراتيجية الدفق» بات العراق آمناً بما يكفي لعدم الانزلاق الى حرب أهلية أخرى. وفي الردّ على هذه الأسطورة تشير «واشنطن بوست» الى ما خلصت إليه عشرات الدراسات عن عشرات الحروب، وهو أن «الحرب تتجدّد بعد خمس سنوات من وقت القتال، وذلك بنسبة ٥٠ في المئة، وترتفع النسبة إذا كان البلد يختزن ثروات وموارد ضخمة. ثم إن الحروب الأهلية تندلع ليس لأن الشعب يريدها بل لأن القادة يعتقدون بأنهم، عبر القتال، يستطيعون تحقيق أهدافهم. وعليه، فإن الحرب قد تندلع مجدّداً حتى في وجود قوّات أجنبية كبيرة.

الأسطورة الثالثة تتمثّل في أن الولايات المتحدة تترك وراءها نظاماً سياسياً محطّماً في العراق. وتقول «واشنطن بوست» إن هذا غير صحيح، لأن السياسيين العراقيين «اعتنقوا الديمقراطية ولو مكرهين»، كما أن رؤساء الأحزاب توقّفوا عن التخطيط لقتل خصومهم، لمصلحة العمل على نزع شعبيتهم وشرعيتهم، ولم يعد في إمكانهم ترهيب الناخبين. والأذكياء منهم أدركوا أن عليهم تحقيق ما يريد هؤلاء الناخبون، كالحكم العادل وفرص العمل والخدمات الأساسية.

الأسطورة الرابعة تقول إن الأميركيين لا يريدون انسحاب القوّات الأميركية، وهنا تحذّر «واشنطن بوست» من الأخذ باستطلاعات الرأي التي لا تعكس الصورة الحقيقية لتصوّر العراقيين، الذين يشعرون بالاستياء من الوجود العسكري الأميركي، كما يشعر عدد منهم بالمرارة إزاء الفوضى التي أحدثها الغزو والفشل في تحقيق الأمن فيما بعد، كما الفشل في بدء عملية بناء شاملة.

أما الأسطورة الخامسة، فتكمن في القول إن الحرب «ستنتهي في موعدها المقرّر». وتردّ «واشنطن بوست» على هذا القول بأن التاريخ لم يسجّل أي حرب انتهت في موعدها، وتضيف: يمكن أن يتقلّص الدور الأميركي في العراق، لكن الحاجة الى الوجود الأميركي سوف تستمرّ لسنوات عدّة.

ماذا يعني هذا كلّه؟

إنه، بكل بساطة، يعني أن العراق لا يزال دولة محتلّة تتحكّم في كل شؤونه دولة الاحتلال التي لا تزال تحتفظ على أرضه بخمسين ألف جندي، ومثلهم من المرتزقة وعناصر المخابرات والآليّات والطائرات، فضلاً عن عشرات الأقمار التي ترصد وتسجّل كل ما يجري من اتصالات سلكية ولاسلكية ولقاءات عفوية ومشبوهة، والمنطق يقول إن الجهد العسكري والمالي (أكثر من ٤ آلاف قتيل وحوالى تريليون دولار) الذي صرفته الولايات المتحدة في العراق، لا يمكن أن يذهب سدى، ولن تقدّمه واشنطن هديّة لدوحة أخرى ولو كانت العراق نفسه، ولن تترك أحداً يفسد عليها «الطبخة» في النهاية.

وهو يعني أيضاً أن التهاتف على «التركة الأميركية» في العراق قد لا يكون في محلّه، لأن صاحب التركة لم يرحل بعد، والولايات المتحدة تحتفظ بـ٩٤ قاعدة عسكرية داخل العراق بعد استكمال الانسحاب من المدن وانتهاء المهامّ القتالية، وهذه القواعد تشكّل «قوّة انتقالية» مساندة للقوّات العراقية، ولو بعناوين أخرى «استشارية تدريبية». إضافة الى ذلك يقوم ٢٨ ألف جندي أميركي بدعم الوجود الأميركي في العراق، من الكويت والخليج العربي، تماماً كما يقدّم ١٧ ألف جندي خارج أفغانستان، خدمات للقوّات المتمركزة في أفغانستان.

الصراع على العراق

انطلاقاً من كل هذه الحقائق، تسعى دمشق الى تلمّس «حلّ عربي» للأزمة العراقية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الأسابيع القليلة المقبلة التي تتزامن مع الانسحاب الأميركي، وهي تدرك جيداً أن الأزمة تهدّد استقرار المنطقة وليست مجرّد أزمة وزارية عراقية. وفي اقتناع الكثيرين أن النخبة التي تحكم العراق بعد سقوط صدّام، لم تتوصّل حتى الآن الى صيغة تصوّر واضح لبناء دولة دستورية عصرية، بعيداً عن الصراعات المفتعلة الفئوية والطائفية العبثية، وهي تركة مجلس الحكم، وما رافقه من تخبّطات وقرارات وإجراءات اعتباطية أدّت في ما أدّت إليه الى تفجّر العنف المذهبي طوال عامي ٢٠٠٦ و٢٠٠٧.

وليس سرّاً أن ما حصل حتى الآن هو إهمال العامل الأساسي في التغيير، وهو دولة المواطنة والهويّة لحساب تقسيم العراقيين الى انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية، ومن ثم اعتماد قواعد المحاصصة لمن يدّعي تمثيل هذه الانتماءات، لتقاسم امتيازات السلطة، وما يعنيه هذا التقاسيم من نفوذ ومال، في الوقت الذي تهمل حقوق المواطن وتطلّعاته الى الحياة الكريمة كما الى محاسبة المسؤولين الفاشلين.

وفي غياب الدولة الراعية يزداد الصراع الداخلي على الحصص والمكاسب، وتزداد الأطماع الخارجية الإقليمية والدولية. وخلف الجدران المرتفعة التي تفصل الأحياء الشيعيّة عن الأحياء السنّيّة في بغداد، تحاول الميليشيات المسلّحة إيقاظ الأحقاد القديمة، مرّة باسم «دولة العراق الإسلامية» ومرّة باسم البعث العراقي السابق، في الوقت الذي يؤكّد المسؤولون الأمنيّون أن نشاط «القاعدة» يثير الشكوك حول المناطق التي تنطلق منها، بعدما خلت أحياء بغداد من هذا التنظيم لمدّة طويلة.

ويقول مطّلعون على أجواء الصراع، أن التوتّرات الإيرانية ـ الأميركية في المرحلة الأخيرة تشكّل العقدة الأهمّ في الخروج من الأزمة، وأن عدم التلاقي السوري ـ الإيراني على صيغة للحلّ، هو الذي أدّى في النهاية الى إطالة أمد الصراع، وأفسح في المجال للتدخّلات الخارجية الجديدة، ومن هنا أهميّة المبادرة السورية ـ العربية ـ التركية في هذه المرحلة بالذات، في لحظة مؤاتـية على المستوى الإقليمي.

والموقف السوري كما تبلّغه الأميركيون يمكن عرضه كما يأتي:

أولاً: إن سورية مستعدّة للتعاون في إعادة الاستقرار الى العراق، ليس بحثاً عن صفقة مع واشنطن، وإنما لأن لسورية مصلحة استراتيجية في مساعدة العراق على تحقيق أمنه، باعتبار أن النزاع الداخلي الدائر هو نتيجة الاحتلال الأميركي، والدليل أن السنّة والشيعة عاشوا في سلام على أرض العراق منذ ألف وأربعماية سنة.

ثانياً: إن مصلحة سورية الاستراتيجية تقضي بالحفاظ على وحدة العراق في مواجهة المشروع الأميركي، الذي يوشك أن يفكّك بصورة دراماتيكية موجعة أوصال العراق ويدمّر نسيجه الاجتماعي.

ثالثاً: إن في مصلحة سورية مساعدة القوّات الأميركية على إنجاز انسحابها، لأن سورية لن تكون سيدة وآمنة مع انتقال الأميركيين الى حدودها.

رابعاً: إن استمرار حالة عدم الاستقرار والتدهور الأمني بات عبئاً اقتصادياً وديمغرافياً على سورية، التي تستقبل أكثر من مليوني عراقي منذ سبع سنوات حتى الآن.

والحلّ، كما تراه دمشق، ليس بالتأكيد حلاً عسكرياً، لأن الحلّ الوحيد الممكن هو مع كلمة العراقيين جميعاً من دون استثناء على المشاركة في العملية السياسية، بحيث لا يتمّ تمهيش أحد، ولا تشعر أي جماعة بأنه خرجت من التغيير مهمّشة أو مهزومة، وينبغي أن تدرك كل القوى العراقية بأن لها جميعاً مصلحة مشتركة في عراق آمن يظلّل الجميع. ودمشق ترى أنه لا بدّ من التوقّف عن تصنيف الشعب العراقي الى فئات ومذاهب وحصص، بين سنّي وشيعي وكردي وإسلامي ومسيحي وقومي عربي وبعثي ورجعي وإيراني وأميركي، وبدء حوار مع الجميع على أساس أنهم أبناء شعب واحد وحقوق وواجبات واحدة، وهي تكرّر أن لها مصلحة، كما لسواها من دول الجوار، في إيجاد حلّ يوفّر الأمن والاستقرار للعراق ويشكّل مخرجاً ملائماً للولايات المتحدة.

نعود الى السؤال: من يشكّل الحكومة العراقية في نهاية المطاف؟ إيران النجادية، المبادرة السورية ـ التركية ـ السعودية، أم مجـلس الأمن الدولي بإملاءات أميركية؟

الأسبوعان المقبلان كفيلان ببلورة جواب واضح، وكل شيء يدلّ على أن ما بعد رمضان لا يشبه ما قبل رمضان العراقي.