انحسار دور الاسلاميين في مصر...لماذا وكيف؟

 

على الرغم من رفض الإخوان المسلمين الأولي لتبني المشاركة السياسية، فإن حجم تمثيل الجماعة في البرلمان بدأ في النمو في الدورات الأخيرة، وتتزايد مشاركتهم في الشؤون السياسية. ولكن لا يزال تأثير الجماعة على البيئة السياسية المصرية محدودا، وخاصة كنتيجة لتأكيدها المستمر على الدين والأخلاق والأسرة.

على مدار عقود من تأسيسها، تتخذ جماعة الإخوان المسلمين موقفا متناقضا من المشاركة السياسية. وفي حين كانت تتجاهل الشؤون السياسية الرسمية بصورة كبيرة منذ العشرينات وحتى السبعينات من القرن الماضي، فإنها بدأت تشترك في السياسة المصرية بدرجة كبيرة وأصبح لها عدد متزايد من النواب في البرلمان المصري. ولكن تتركز الخلافات داخل الجماعة حول كيفية تقديم الجهود السياسية لأجندة الإخوان الشاملة في البيئة السياسية المصرية المتحولة.

وتطلق دعوات الانسحاب الكامل من السياسة فقط على هامش الجماعة، بالإضافة إلى بعض من مهاجميها. ولكن إذا كان هناك إجماع داخلي على وجوب استمرار مشاركة الإخوان المسلمين جزئيا في الحياة السياسية، فقد اختلف القادة على حجم هذه المشاركة السياسية، وما هي الصور التي يجب أن تكون عليها، وكيف يمكن ربط النشاط السياسي بأهداف الإخوان المسلمين للإصلاح على المدى البعيد.

ويتعقد الخلاف حول المشاركة السياسية بسبب صعوبة العلاقات مع الأطراف السياسية الأخرى، من النظام الحاكم إلى أحزاب المعارضة والحركات الاحتجاجية. وخوفا من القمع الذي يمارسه النظام، تجنب الإخوان المسلمون بوعي الإشارة إلى عزمهم على تحدي تمسك النظام بالحكم. وظلت الجماعة بالتالي رافضة لإقامة تحالفات رسمية أو انتخابية مع أطراف المعارضة الأخرى. ويثبت هذا الوعي في مشاركة الإخوان المحدودة ذاتيا في الانتخابات البرلمانية التي أجريت عام 2005، عندما تقدموا بمرشحين في أقل من ثلثي الدوائر الانتخابية، وكأنهم يبعثون برسالة تفيد بأنهم لا يسعون إلى تحدي الأغلبية التي يستحوذ عليها الحزب الوطني وتبلغ ثلثي المقاعد في مجلس الشعب.

وتتميز العلاقات بين الإخوان وأحزاب المعارضة الأخرى بأنها أقل عداء، ولكنها تتسم أيضا بتراث قديم من انعدام ثقة متبادل، مما يقيد من محاولاتهم في تحقيق الانسجام بين المواقف السياسية وتنسيق النشاط. ويستمر شعور كل من الأحزاب الليبرالية واليسارية وكذلك الحركات الاحتجاجية بالقلق البالغ حيال المواقف الغامضة التي يتبناها الإخوان بشأن المساواة في حقوق المواطنة بين المسلمين والأقباط، وأيضا موقفهم بشأن حقوق المرأة. ويتخوف الشركاء المحتملون من التأثيرات السلبية الناتجة عن مواد الشريعة المتعلقة بحرية التعبير والتعددية. وفي النهاية، أزعجتهم أيضا التناقضات بين المرجعية الإسلامية للإخوان والدعائم الدستورية للحياة السياسية المصرية.

ومن جانبهم، يجد الإخوان المسلمون أسبابا مشروعة لعدم الثقة في مواقف أطراف المعارضة الأخرى. وقد عارضت بعض الأحزاب القانونية، مثل حزب التجمع اليساري، مشاركة الإسلاميين في الحياة السياسية، وبذلك تحالف مع النظام للحد من المساحة السياسية التي يشغلها الإخوان. وفي كثير من المواقف، صادقت قيادة التجمع على إجراءات حكومية قمعية ضد الإخوان المسلمين، مبررة ذلك بأنها تستهدف منظمة غير ديمقراطية. وأصبحت أحزاب أخرى أقل إظهارا للعداء، ولكنها تنأى بذاتها عن الإخوان في فترات الممارسات القمعية للنظام.

لكن إذا كانت إنجازات التحالف محدودة، فإنها خلفت بعض الآثار الحقيقية على مواقف الإخوان. ومنذ عام 2002، قوي برنامج الجماعة في الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي نتيجة بحث الإخوان المسلمين الجزئي عن أساس مشترك مع أحزاب المعارضة. وفي بيانات رسمية علنية - على سبيل المثال، مبادرة الإصلاح عام 2004 والبرنامج الانتخابي عام 2005 - يحاكي البرنامج الانتخابي للإخوان المسلمين برامج الأحزاب الليبرالية واليسارية، حيث يدعو إلى إجراء تعديلات دستورية وإصلاحات ديمقراطية، ومحاسبة الحكومة، وضمانات للحريات الشخصية.

الإخوان في البرلمان

يجب النظر إلى النشاط البرلماني الأخير لجماعة الإخوان المسلمين على خلفية من وجودها البرلماني المتنامي. فبعد أن كانوا 17 عضوا في دورة 2000 - 2005، يمثل الإخوان المسلمين 88 عضوا في الدورة البرلمانية الحالية 2005 - 2010، ليحتلوا المرتبة الثانية بعد الحزب الوطني الديمقراطي (الحاكم) مباشرة. ويعد هذا الوجود البرلماني المتزايد سببا مهما في تزايد نشاط الجماعة البرلماني.

 وقد تحولت طبيعة البرنامج البرلماني للجماعة خلال العقود الثلاثة الماضية: حيث حلت محل الدعوات بتطبيق الشريعة وتشجيع القيم الدينية والأخلاقية التي وضعتها كتلة الإخوان كأولوية حتى التسعينات، قضايا الإصلاح القانوني والسياسي، وسياسات اجتماعية واقتصادية وانتهاكات حقوق الإنسان في مجلس الشعب لدورتي 2000 - 2005 و2005 - 2010. وعلى الرغم من أن الأولويات الدينية المعتمدة على الشريعة ما زالت عناصر أساسية في الأنشطة البرلمانية للإخوان، فإن أهميتها في تشكيل برنامج الجماعة يتضاءل تدريجيا. وتظل عناصر أخرى دون تغيير، مثل الانشغال بمحاسبة الحكومة وإجراءات مكافحة الفساد.

ولكن على الرغم من تزايد حجمهم وتركيزهم العملي، من المهم عدم المبالغة فيما يمكن أن يحققه النواب البرلمانيون للإخوان المسلمين. وعلى الرغم من أن وجود الجماعة المستمر تقريبا في البرلمان منذ أواخر السبعينات سمح لنوابها بامتلاك أدوات رقابية شاملة بالإضافة إلى قدرة جماعية على تحدي الحكومة، فإن تأثيرها على العملية التشريعية ضئيل للغاية. ويرتبط عجز الإخوان عن تمرير تشريع من برنامجها الانتخابي بقبضة الحزب الوطني الديمقراطي المُحكمة على العملية التشريعية، حيث تحتفظ بإصرار على أغلبية مريحة تقدر بثلثي المقاعد في جميع الدورات البرلمانية منذ عام 1976. وحتى في الدورة البرلمانية الحالية، على الرغم من الزيادة الكبيرة لحجم تمثيل الإخوان المسلمين ليصل إلى خُمس عدد المقاعد، يستحوذ الحزب الوطني على ثلاثة أرباع المقاعد، ويظل تقريبا من دون منافسة في تشكيله لمجلس الوزراء وتمرير مسودة التشريعات.

وفي هذا السياق من الأداء الإشرافي القوي والتأثير التشريعي الضعيف، تتركز الأنشطة البرلمانية التي يمارسها الإخوان المسلمون في الأعوام الأخيرة على خمسة دعائم: التعديلات الدستورية والقانونية، والإصلاح السياسي، والتشريع الاجتماعي والاقتصادي، والتشريع الديني والأخلاقي، وحقوق المرأة.

وبصفة عامة، لقد طورت الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين مجموعتها الخاصة من المقترحات من أجل إصلاح النظام الدستوري في مصر، وفي الوقت ذاته، قدمت نقدا للتعديلات الدستورية التي اقترحها النظام. وفي الواقع، احتلت قضية التعديلات الدستورية مكانة بارزة في النقاشات والبرامج التي تبنتها أطراف سياسية كثيرة في مصر منذ عام 2002.

وفي الإعداد لسباق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت عام 2005، اقترح الرئيس مبارك تعديلا على المادة 76 من الدستور يسمح بإجراء انتخابات رئاسية بين مرشحين متعددين. وبذلك، بدا وكأنه يستسلم لمطالب المعارضة بالتخلي عن النظام القديم المستمر منذ عقود حيث يتم إجراء استفتاء شعبي لمجرد التصديق على مرشح النظام للرئاسة. ولكن عارض الإخوان المسلمون التعديل ووصفوه بأنه غير كاف.

وبعد ذلك دعوا إلى مقاطعة الاستفتاء للتصديق على التعديل في مايو (أيار) 2005، لأنه يعوق قدرة المستقلين والأحزاب المعارضة على التقدم بمرشحين. وعلى وجه التحديد، يجب على الأحزاب السياسية - التي تأسست قبل تنفيذ التعديل بخمس سنوات - الراغبة في التقدم بمرشح رئاسي أن يكون لها على الأقل خمسة في المائة من مقاعد البرلمان. ويشترط على المستقلين على وجه التحديد أن يحصلوا على تأييد 250 عضوا منتخبا من أعضاء مجلس الشعب ومجلس الشورى والمجالس المحلية.

واستمر الإخوان المسلمون في معارضتهم للتعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس والحزب الوطني الديمقراطي أثناء الدورة البرلمانية 2005 - 2010. ووقعت أكبر معركة حول مجموعة كبيرة من التعديلات المقترحة من الرئيس في عامي 2006 و2007. 

وفي 26 ديسمبر (كانون الأول) عام 2006، دعا الرئيس حسني مبارك إلى إجراء تعديلات على 34 مادة دستورية لحظر تأسيس الأحزاب الدينية وإدخال مزيد من التغييرات على قوانين الانتخابات التشريعية والرئاسية، دون وضع حد لفترة الرئاسة. ومن بين التعديلات البالغ عددها 34 التي تم إقرارها، ركزت كتلة الإخوان البرلمانية هجومها على عدد من العناصر، فسرتها على أنها تقيد الحريات السياسية وتعوق نشاطها السياسي.

وعلى سبيل المثال، رفض الإخوان المسلمون التعديلات التي تحظر تكوين أحزاب وأنشطة سياسية ذات أساس ديني، وهي ما تقيد بوضوح مشاركة الإخوان في الحياة السياسية وتعرقل تحولها إلى حزب قانوني. واعتبر الإخوان الحظر غير متفق على الإطلاق مع الدستور القائم الذي ينص على أن الإسلام هو دين الدولة وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.

وانتقدت الجماعة أيضا التعديل الذي يضع أساسا لنظام نسبي في الانتخابات التشريعية، ويشير إلى أن المصريين لن يتمكنوا من التصويت لصالح أفراد، بل لقوائم حزبية بدلا من ذلك. وقالوا إن هذا التعديل يزيد من إبعاد الإخوان عن الحياة السياسية الانتخابية المنتظمة. وإضافة إلى ذلك، تم أيضا رفض تعديل المادة 88 الذي يحد من الإشراف القضائي على الانتخابات بتشكيل لجان إشراف خاصة مكونة من قضاة ومسؤولين سابقين في الحكومة.

واتهم الإخوان النظام الجديد بأنه سيزيد من فرص تزوير الانتخابات والاستغلال. وفي النهاية، رفضوا أيضا التعديلات التي تسمح بتطبيق قانون الإرهاب. وانضم الإخوان المسلمون إلى مهاجمي المعارضة الآخرين، حيث قالوا إن تطبيق هذا التعديل سيسمح للنظام بأن يستبدل بحالة الطوارئ المستمرة منذ فترة طويلة مجموعة جديدة من الأدوات القانونية الدائمة التي تهدف إلى تقييد الحياة السياسية. وتؤكد التعديلات الدستورية على حق وزارة الداخلية في ضبط الحقوق السياسية والمدنية بتقييد الصحافة وتعريض الصحافيين للحبس والسماح للجهات الحكومية بمراقبة نشاط الأحزاب السياسية.

معضلات المشاركة

في حين يعمل الإخوان المسلمون جاهدين من أجل تنفيذ أجندتهم الشاملة في التعديلات الدستورية، يحاولون أيضا أن يفعلوا ذلك من دون التخلي عن تأكيدهم القديم على الدين والأخلاق والأسرة. ويحاول الإخوان أيضا تصوير أجندتهم الدينية على أنها متوافقة مع برنامج الإصلاح الشامل، بل وتعبر عنه كلية. وترتبط بعض من القضايا الدينية التي يثيرونها - على سبيل المثال، حق المحجبات في التعيين في القنوات التليفزيونية الحكومية - بحق التعبير عن الرأي وحرية العقيدة. وفي قضايا أخرى، مثل التعذيب وحرية الصحافة، يستخدم الإخوان أولوياتهم الدينية والأخلاقية في الدفاع عن الحريات السياسية وحقوق الإنسان.

ولكن على الرغم من أن الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ذات النشاط الملحوظ تتعامل مع تلك القضايا الدينية والأخلاقية منذ عام 2000، فإن التشريع السياسي والاقتصادي والاجتماعي كان محور برنامجها وأنشطتها، فيما يتعلق بالإشراف والمحاولات التشريعية. وأحيانا ما يأتي وضع الأولوية لتلك القضايا على حساب البرنامج الديني والأخلاقي للإخوان، الذي كان يلعب دورا مهما في المشاركة البرلمانية للجماعة قبل عام 2000. وفي الحقيقة، تحول برنامج الإخوان الأخلاقي والديني إلى مواقف متشددة في قضايا المرأة ودعوات متفرقة لتطبيق نصوص الشريعة. ويشكل التهميش النسبي لبرنامج الإخوان الأخلاقي والديني في البرلمان تحديا خطيرا لـ"الجماعة"؛ فكيف يمكنها تحقيق إصلاح اجتماعي واقتصادي وسياسي في البرلمان وفي الوقت ذاته تحافظ على أوراق اعتمادها "الإسلامية" أمام ناخبيها المتدينين؟

وعلى الرغم من أن الإخوان قد مُنعوا من تكوين حزبهم السياسي، فإن إحدى الاستراتيجيات التي يمكن أن يتعاملوا بها مع الخلاف بين أجندتهم السياسية العامة والدينية المحددة، إضفاء طابع رسمي على عملهم السياسي في ظل هيكل مؤسسي منفصل. وبالفعل في الأعوام الأخيرة، من الممكن رصد فصل وظيفي بين الكتلة البرلمانية التي تتناول قضايا الإصلاح، وقيادة الجماعة - المرشد الأعلى ومكتب الإرشاد - التي تعطي أولوية للقضايا الأخلاقية والدينية في التصريحات الرسمية والبيانات الإعلامية والأنشطة الأخرى.

وخرج تحدٍ ثانٍ متساوٍ في الخطورة نتيجة للتأثير المحدود لمشاركة الإخوان في البرلمان. من وجهة نظر كثير من ناخبي الإخوان، لم يؤت سعي الجماعة وراء قضايا الإصلاح في البرلمان ثماره؛ وأثبت عدم التأكيد على القضايا الأخلاقية والدينية عدم جدواه وفشله. ويقولون إن مشاركة الإخوان في البرلمان لم تفتح المجال السياسي في مصر. وتزايد شعور قيادة الإخوان بالحاجة إلى المحاسبة على هذا التوازن السلبي وتبرير تلك الأولوليات للجميع. وأثار النقاش والخلاف الدائر حول تلك القضية في الأعوام الأخيرة الشكوك في قيمة المشاركة السياسية كهدف استراتيجي، خاصة لدى مقارنتها بالأنشطة الاجتماعية والدينية الأشمل.

 وكانت إحدى نتائج هذا التوتر المتنامي تغير ميزان القوة داخل قيادة الجماعة بين مؤيدي المشاركة السياسية وهؤلا المهتمين بالدور الاجتماعي والديني للإخوان.