مستقبل الديمقراطية في مصر

تهتم مراكز الفكر والرأي ووسائل الإعلام الأمريكية ـ في الآونة الأخيرة ـ بمستقبل النظام السياسي المصري، مع قرب موعد الانتخابات التشريعية هذا العام (2010) وانتخابات الرئاسة في العام القادم (2011).

منذ بداية هذا العام ومع حالة الحراك السياسي الذي تشهده الساحة السياسية والشارع المصري مع رجوع الدكتور محمد البرادعي ـ المدير السابق لوكالة الطاقة الذرية ـ إلى مصر في فبراير من العام الجاري، ونجاحه في تجميع وتوحيد شمل قوى المعارضة في الجمعية الوطنية للتغيير بعد حالة من الهشاشة والانقسام اتسمت بها حركة المعارضة خلال الأعوام الماضية، زادت التعليقات على الأوضاع السياسية المصرية في الصحف والميديا الأمريكية كان آخرها افتتاحية صحيفة واشنطن بوست يوم الأربعاء (12 مايو الجاري) والتي علقت على تمديد البرلمان المصري لقانون الطوارئ لمدة عامين آخرين، والرسالة الثانية من مجموعة العمل بشأن مصر (The Working Group On Egypt) لوزيرة الخارجية الأمريكية "هيلاري كلينتون" بشأن تعزيز الديمقراطية في مصر.

وفي جلسة أدارتها ميشيل دون كبيرة الباحثين بالمؤسسة ومدير تحرير نشرة الإصلاح العربي الصادرة عن المؤسسة والخبيرة في شئون منطقة الشرق الأوسط عامة ومصر خاصة، تحدث كل من الباحث المصري وكبير الباحثين بفرع المؤسسة ببيروت عمرو حمزاوي، والمتخصص في شئون منطقة الشرق الأوسط بأبحاث الكونجرس جيرمي شارب. وقد نشر مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط ملخص لتلك الحلقة النقاشية على موقعه الإلكتروني.

تشابه المشهد السياسي لعامي 2005 و2010

في بداية حديثه قارن حمزاوي بين المشهد السياسي المصري الراهن والمشهد الانتخابي المصري لعام 2005. ومن مقارنته للمشهدين خلص إلى أن هناك تشابهًا بين المشهدين تمثلت أولى أوجهه في الطبيعية غير الرسمية لحركة المعارضة المصرية على المسرح السياسي المصري. وثانيها في تركز مطالب تلك المعارضة على مطلبين أسياسيين يتلخصان في المطالبة بتعديل الدستور ورفض توريث السلطة إلى الابن الأصغر للرئيس والأمين المساعد وأمين السياسات بالحزب الوطني الحاكم جمال مبارك، ويرى حمزاوي أنه لا اختلاف بين المشهدين قد يذكر.

ويرى حمزاوي أن تركيبة المعارضة لا تتخلف في المشهدين، حيث كانت المعارضة في عام 2005 عبارة عن شبكة من النشطاء المتنوعين جيليًّا وأيديولوجيًّا قادتها حركة "كفاية". ولا تختلف المعارضة اليوم عن عام 2005 حيث إنها عبارة عن تحالف فضفاض من النشطاء وجزء من حركة "كفاية"، والمنضمون للجمعية الوطنية للتغيير التي يقودها الدكتور محمد البرادعي. ويرى حمزاوي أن المعارضة في المرحلتين لم تنجحا في ترجمة برامجهما لمجموعة من الإجراءات المتماسكة والملموسة.

وعلى الرغم من تشابه المشهدين، إلا أن المشهد السياسي المصري الحالي يختلف عن مشهد عام 2005 بظهور الدكتور البرادعي على الساحة السياسية المصرية، ودوره الجلي على الساحة السياسية المصرية وتحريكه للمياه الراكدة في نهر السياسة المصرية، وقدرته على تجميع وتوحيد المعارضة المصرية وراءه، ناهيك عن مكانته الدولية التي تحميه من توجيه تهم الفساد المحلي له، وذلك خلافًا لمعارضة عام 2005 المتسمة بغياب شخصية (مرشح) قادرة على تجميع وتوحيد قوى المعارضة.

بيئة دستورية تقوض فرص الترشح

وفي حديثه أشار حمزاوي للتعديلات الدستورية الأخيرة (2005 و2007) التي تم إقرارها والتي تقوض من فرص الترشح للمنافسة على منصب الرئاسة. فركز على ثلاث مواد رئيسة متعلقة بالانتخابات وفرص الترشح أولها تعديل المادة (88) والتي ألغت الإشراف القضائي واستبداله بلجنة من المشرفين أغلبهم تابعون إلى النظام ـ حسبما ذهب حمزاوي ـ. وثانيها المادة (76) التي عُدلت مرتين لتحد من فرص المستقلين للترشح للمنصب. وآخر تلك المواد المادة (77) غير المحددة لمدد تولي هذا المنصب المهم في النظام السياسي المصري. ويشير أيضًا إلى قانون الطوارئ المصري، والذي وافق البرلمان المصري على تمديده لمدة عامين آخرين بعد انتهاء العمل به هذا الشهر.

ومن جانبه ركز "شارب" على الموقف والإدراك الأمريكي للشأن السياسي المصري، فقبل موافقة البرلمان المصري على تمديد قانون الطوارئ بعد انتهاء هذا الشهر توقع شارب أن يكون هناك تصريح من قبل وزارة الخارجية الأمريكية شديد اللهجة لتمديد العمل بالقانون كما فعلت الخارجية الأمريكية مع النهج المصري مع متظاهري حركة السادس من إبريل. وبعد رجوعه إلى التصريحات الأمريكية لتمديد القانون خلال عامي 2006 و2008، خلص إلى أنها تتمحور حول "خيبة الأمل" من التمديد المصري للقانون، والذي يؤثر بالسلب على النشاط السياسي وحركة المعارضة المصرية.

واستعرض حمزاوي عددًا من الإجراءات التي تتخذها الحكومة المصرية والتي لها جل الأثر على نتائج الانتخابات، والتي أجملها في الآتي:

• رفض أي تعديلات ـ والتي تنادي بها قوي المعارضة ـ والتي من شأنها إحداث تغيير في البيئة الدستورية المصرية.

• استهداف نشطاء المعارضة.

• ترتيب الأجندة الانتخابية، بمعني أن تسبق الانتخابات التشريعية الانتخابات الرئاسية لإعطاء انطباع بحرية ونزاهة العملية الانتخابية ولتهميش دور ونشاط الدكتور البرادعي في النقاش والجدل السياسي المحتدم على الساحة السياسية المصرية حاليًّا.

• استخدام الحكومة المصرية خطاب مفعم بمعاني الديمقراطية والإصلاح. ولكن حمزاوي يرى أنه على مدار الوقت قل الركون إليه بجانب غياب مصداقيته.

تحديات عدة تواجه الدكتور البرادعي

عن التحديات التي توجه الدكتور البرادعي الذي تعول عليه الأوساط السياسية والمجتمعية في إحداث انفراجة في المشهد السياسي المصري، أشار حمزاوي إلى أن هناك تحديين يواجهان الدكتور البرادعي يتمثل أولهما في إقامة الدكتور البرادعي خارج مصر لفترة طويلة بحكم منصبه، وهو ما دفع الصحافة الحكومية إلى انتقاده بأنه "فاقد الاتصال" بقضايا الشعب حسبما أشار حمزاوي. وثانيها أنه مدفوع من كثير من أعضاء الجمعية الوطنية للتغيير التي يقودها للتعليق على أحداث دولية مما يعرضه للانتقاد وما يقوض من فرص ترشحه.

ومن جانبه أثار شارب عديدًا من التساؤلات فيما يخص الدكتور البرادعي من قبيل: هل هو قادر على المواجهة بها فيها الجسدية؟ وهل هو قادر على استعداد لاستفزاز القوة الأمنية ومغازلتها؟.

وفيما يخص فرص ترشيح البرادعي يرى حمزاوي أنه في حالة عدم تغيير الدستور "ليس له معنى" ـ حسب كلمات حمزاوي ـ. وأن من شأن إحداث تعديل في دستور سيدعم مزاعم الحكومية المصرية بأن الانتخابات ديمقراطية.

ويقول إن على الدكتور البردعي العمل على تحويل خطابه وبرامجه إلى خطط عمل والسعي إلى التواصل مع قطاعات واسعة من الشعب المصري ومؤسسات الحكم والقوى العاملة ومجتمع رجال الأعمال والشبان المحبطين داخل جماعة الإخوان المسلمين.

ومن جانبه أكد شارب على ذلك وأكد أيضًا على عدم سعيه إلى عداء القوات العسكرية والأمنية.

فقال "يستطيع للعب بورقة شعبيته دون أن يستعدي القوات العسكرية والأمنية. فليس من الأفضل تبني تكتيك إغضاب الجيش".

وفي رد على سؤال من أحد أفراد السفارة المصرية حول عدم انضمام الدكتور البرادعي إلى أحد الأحزاب السياسية شرح حمزاوي أنه لن يخوض الانتخابات الرئاسية كمستقل لسببين: أولهما لبلورة صورة للإصلاح المهمة في مصر. أما ثانيها بكلمات حمزاوي "كلنا رأي كيف يتم التعامل مع مرشحي الأحزاب خلال عام 2005" في إشارة إلى التعامل مع "أيمن نور" بالسجن في وقت لاحق.

الصراع العربي الإسرائيلي والديمقراطية

وربط شارب بين الانتخابات المصرية والدور المصري على الصعيد العربي خاصة على الساحة الفلسطينية ـ الإسرائيلية مع إلقاء إدارة أوباما بثقلها لحل الصراع منذ أولى أيامها في البيت الأبيض. ومع موافقة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلى بدء المفاوضات غير المباشرة بوساطة مصرية يتساءل شارب كيف ستتعامل إدارة أوباما مع الملفين (فرض الديمقراطية في مصر والدور المصري في عملية السلام)، وهل من تعارض بينهما؟.  

وفي رده على تساؤل ما إذا كانت الحكومة المصرية ستستخدم دورها في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لمساومة الولايات المتحدة في مطالبها للديمقراطية يقول شارب إن العلاقات المصرية ـ الأمريكية قوية كما كانت في السنوات الماضية ويرجع ذلك إلى عدد من العوامل منها قوة العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية الحكومية الرسمية. ويقول شارب إنه طالما كانت العلاقات قوية بين الحكومتين فإن ذلك سيصعب من المساعي الأمريكية للدفع في قضية الديمقراطية.

ومن جانبه أكد حمزاوي على أهمية الانخراط والدور الأمريكي من أجل عملية الإصلاح السياسي المصري، فقال في ظل رفض الحكومة المصرية مطالب الرقابة الخارجية من منظمات دولية والتعامل الصارم مع المظاهرات والاحتجاجات ومطالب الإصلاح الداخلية والقيود على عمل المنظمات غير الحكومية قال حمزاوي:"لا تستطيع حكومة الولايات المتحدة أن تكون صامتة"، ويضيف: "إن الصمت والتعامل الأمريكي باعتباره أولوية منخفضة ينظر إليها في مصر على أنها دعم لنظام الرئيس مبارك".