ثلاثة سيناريوات لمستقبل الرئاسة في مصر ليس من بينها ترشيح مبارك

 

تكاثرت السيناريوات وتعدّدت التكهّنات حول مستقبل الرئاسة في مصر، بعضها يدخل في إطار المعقول، وكثير منها يدخل في إطار المأمول، وبقي الحديث فيها مشروعاً بعد أن اقتربت الانتخابات الرئاسية، وبدا واضحاً أن مصر على مشارف واقع سياسي جديد. فهل يسيطر سيناريو التوريث على المشهد، أم أن مبارك سيرشّح نفسه من جديد؟، أم أن سيناريو تعديل الدستور وفتح المجال للمرشّحين المستقلّين سيتحقّق؟..   المشاهد السياسي حاورت أحد أبرز خبراء النظم السياسية في مصر، وهو الدكتور عمرو الشوبكي الخبير في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في مؤسّسة  الأهرام حول مستقبل الرئاسة في مصر.

بادرنا د. عمرو بالقول؛ الحقيقة أن الحديث عن مستقبل الرئاسة ظلّ حاضراً في كل مراكز الأبحاث والصحف العالمية الكبرى، وخصوصاً الأميركية، منذ انتخابات ٢٠٠٥، وزاد في الفترة الأخيرة بعد رحلة الرئيس العلاجية الأخيرة، وقامت الصحف المصرية بترجمة يومية لما تنشره الصحف ووكالات الأنباء الأجنبية لتعليقات خبراء، معظمهم مصريون وبعضهم أجانب، حول هذا الموضوع، حتى لا تقع في حرج التطرّق إلى قضية شائكة عندنا فقط.

وهذه مفارقة تبدو صارخة، لأن المفروض أن يحدث العكس، أي أن تأخذ الصحف الأجنبيّة من الصحافة المصرية المستقلّة كل المعلومات والتحقيقات المعمّقة والقصص الخبرية حول هذا الموضوع.

والحقيقة أن الحديث عن مستقبل الرئاسة انتقل من حديث التوقّعات إلى السيناريوات، والتخمينات إلى القراءات المستقبليّة، بعد أن ظهرت مشكلات رحلت أو سكنت وبات كثير منها على حافّة الانفجار، وبرزت تفاعلات سياسية تجري في عمق الدولة إلى سطح الحياة العامّة، وبات صعباً على النظام السياسي.. الذي امتلك على مدار ثلاثين عاماً  عبقرية نادرة في ترحيل المشكلات، والمراوغة في فتح أي ملف أو إغلاقه.. أن يستمر في ذلك، وبدا أن ما كنا نسمع عنه على أنه شائعة سيصبح واقعاً، وأن كثيراً من الكوابيس والأحلام سنبدأ في رؤيتها أمام أعيننا.

سيناريوات مختلفة

هناك حديث يتردّد كثيراً هذه الأيام بسبب قرب موعد الانتخابات البرلمانية ومن بعدها انتخابات الرئاسة، عن سيناريوات مختلفة.. كيف ترى الى الأمر في ما يتعلّق بالسيناريوات المتوقّعة؟

الواضح أن في مصر ثلاثة سيناريوات ستحدّد مستقبل الرئاسة، لن يكون بينها ترشيح الرئيس مبارك في انتخابات ٢٠١١؛ أولها سيناريو محدّد المعالم والأهداف، تبلور منذ مؤتمر الحزب الوطني في العام ٢٠٠٢، وهو مشروع توريث السلطة لإبنه جمال عبر  انتخابات معروفة نتائجها سلفاً.. وخطورة هذا المشروع أنه لم يقدّم فكرة إصلاحية واحدة في المجال السياسي، إنما رأينا  شلّة توريث استبعدت كل القوى والأفكار والرموز الاصلاحية الموجودة داخل النظام وخارجه، في مشهد ترحّم فيه الكثيرون على أيام الدولة التسلّطية، بعد أن شهدوا عصر العِزَب والمماليك الخاصة، وتذكّروا بالخير نظماً تسلّطية بعد أن رأوا حاضراً مرحلة الفوضى والعشوائية واللانظام.

ويضيف الدكتور الشوبكي؛ المشكلة أنه لأول مرة منذ تأسيس الدولة الوطنية الحديثة في مصر منذ أكثر من قرنين، يشعر الناس بأنهم لا يواجهون نظاماً يبطش بهم أو دولة تقسو عليهم، إنما مجموعة ضيّقة جدّاً من أهل الحكم تنكّل بهم كل يوم، وتهين كراماتهم، وتستغلّ استكانتهم بعد أن تركتهم ضحايا خطط التجهيل التي أصابت وعيهم.. كل ذلك من أجل إنجاح مشروع التوريث الذي يستلزم وجود شعب مغيّب ودولة نائمة، ومؤسّسات مترهّلة، ونخبة معدومة الكفاية والأخلاق.

والمؤكّد أن مصر لم تصل إلى هذه الحالة، رغم جهود هذه المجموعة المضنية لإيصال المجتمع الى هذه الدرجة، وباتت هناك مؤشّرات كثيرة الى أن هناك توجّهات أخرى داخل الدولة غير مرتاحة لمشروع التوريث، وعبّرت عن رفضها له في أكثر من موقف، وفضفضت أكثر في جلساتها الخاصة.

والمؤكّد أن هناك نمطاً شديد السوء، جرى على أساسه اختيار قيادات الدولة، وجعل مَن هُم في قمّتها في حالة انحناء دائم أمام السلطة السياسية، ولكن الواقع يبدو أكثر تعقيداً من ذلك إذا نزلنا إلى القيادات الوسطى والدنيا، بل بعض القيادات العليا الذين عبّروا عن سخطهم من طريقة إدارة الحكم وترتيبات توريثه، بل إن مؤسّسات كثيرة لم ترتح لهذا المشروع، وبات من غير المؤكّد وجود مؤسّسة أخرى، غير قيادات وزارة الداخلية وجهاز أمن الدولة، تدعم مشروع التوريث بكل هذه الحدّة، وبصرف النظر عن التكلفة والثمن اللذين سيدفعهما الوطن والمجتمع في حال نجاحه.

سيناريو ردّ الفعل

والمؤكّد أن سوء أوضاع مؤسّسات الدولة لم يحل دون وجود  سيناريو رد الفعل على التوريث من داخل النظام، وبات على الأرجح أن نشهد في المستقبل المنظور انتقال حالة التحرّك من خلف الكواليس إلى التحرّك أمام الجمهور، وإذا لم يشاهد الناس كل تحرّكاتهم، فبالتأكيد سيسمعون أصوات عراكهم.

يبقى السيناريو الثالث.. ما هو؟

أما السيناريو الثالث، فهو ينطلق من الموجة الثانية من الحراك السياسي التي تصاعدت مع عودة الدكتور محمد البرادعي، وباتت هناك أهمّية لفهم دلالة هذا التعاطف الشعبي الذي حصل عليه الرجل، بدلاً من البحث في أساليب رخيصة لمواجهته أو شتمه، وهي مسألة سيحتاج فيها الباحثون إلى جهود كبيرة لفهم قدرة الشعب المصري، الذي عاش تحت وطأة الخرافة والتديّن الشكلي واللوثة الكروية لما يقرب من ثلاثين عاماً، على أن يعود ويبدي هذا التعاطف مع رجل عاش في الغرب لسنوات، وتولّى منصباً دولياً مرموقاً، وحدّثهم عن الموسيقى الكلاسيك والجاز من دون أن يحتاج إلى جمل شعبان عبدالرحيم ليكون رجلاً شعبياً يحصل على قلوب الناس.

سيناريو البرادعي بات واقعاً حقيقياً رغم أنه لم يكتمل بعد، ولا يزال حوله كثير من الوجوه القديمة، بعضها غير ضارّ ولكنه غير مفيد، وهناك ارتباك في أداء كثير منهم، باستثناء الجهد الخلاّق الذي بذله الشباب والتفافهم حوله بصورة تدعو الى التفاؤل.

حالة البرادعي أقوى

كيف ترى ما يمكن أن نسمّيه  حالة البرادعي التي أربكت النظام والمعارضة الرسمية؟

من الواضح أن  حالة البرادعي أقوى من  رجال البرادعي، أو بالأحرى الفكرة أو المشروع أقوى من البناء الذي يحمله، وتلك مسألة تحتاج إلى وقت ومجهود لعلاجها، وما دام الرجل لم يتصوّر أنه سيقود ثورة مليونيّة، إنما بناء حالة من الاحتجاج والضغط السياسي هدفها تغيير معادلات الحكم، وتطوير النظام وإصلاحه لا هدمه، فإنه سيظلّ محتاجاً أكثر إلى فكرة البرادعي الملهمة وتوقيعاتها على الورق، أكثر مما يحتاج إلى تنظيم البرادعي.

إن هذا المشروع يحتاج لكي يثمر أن يظلّ بعيداً عن الدخول في أي مهاترات أو تفاصيل تخرجه على مساره، وأن يبدأ في مد الجسور مع كل الاصلاحيين داخل الدولة وخارجها، لأن كثيراً من التفاعلات التي يشهدها المجتمع ستؤثّر في الترتيبات السياسية المقبلة، مهما حاول أهل الحكم أن يقلّلوا منها أو يقمعوها، خصوصاً وأنها ستأتي في ظلّ تزايد الصراع داخل الدولة حول مشروع التوريث، الذي إما أن يعترف بهزيمته ويقبل ببديل آخر من داخل النظام، أو يخوض معركته الأخيرة بترشيح مبكر لجمال مبارك، وهو أمر ستكون نتائجه كارثية على البلاد.

السيناريو الأرجح

والآن.. ما هو السيناريو الأرجح للتحقّق؟

إن ما كنا نسمعه همساً في السنوات السابقة سنسمعه صراخاً في المستقبل القريب جدّاً، وعلى الأرجح، فإن السيناريو الذي ظلّ يتحرّك لسنوات طويلة في الظلام لن يصل إلى الرئاسة .

المصدر:almoshahedaleseyasi