الإنتخابات العراقية القادمة ومعايير الائتلافات السياسية

فاروق ابراهيم جامل

 

بعد اكتمال الائتلافات السياسية الجديدة، استعداداً للانتخابات التي ستجري مطلع آذار المقبل، يعتقد بعض المحللين السياسيين والمراقبين ان لا جديد في هذه الائتلافات، فهي لا تختلف عن سابقاتها التي اشتركت في انتخابات العام 2005،

وان كل ما جرى هو تغير في الشكل السابق نفسه والذي سيتمثل في ان اصحاب صنع القرار الاساسي لهذه الائتلافات هم انفسهم الذين كانوا في الائتلافات السابقة، في حين يعتقد البعض الاخر ان هناك اختلافاً جديداً في الشكل والمضمون. كلا الرأيين صائب في تصوره، لان الرأي الاول ينطبق على بعض الائتلافات وليس كلها، والرأي الثاني ينطبق على البعض الاخر منها. قد يتساءل البعض على اي معيار يعتمد بناء مثل هذا الرأي؟ ان المعيار الذي يميز به بين هذا الائتلافات الاثني عشر، هو درجة انحيازها لكل العراق ولكل مجتمعه، او لجزء من العراق ولجزء من مجتمعه. هنا يظهر سؤال اخر وهو كيف لنا ان نعرف ونقيس هذه الدرجة من الانحياز للجزء او الكل ؟ ان قياس الدرجة واضح وامكانية تشخيصه بسيطة، وهي رصد سلوك وممارسات وطروحات قيادات هذه الائتلافات خلال السنتين السابقتين.

هذه المقالة ستتبع هذا المعيار، ولن تذكر اي اسم من اسماء الائتلافات، ولكن القارئ ذا القدرة البسيطة في التحليل والاستنتاج، سوف يتوصل بسهولة الى التعرف على هذه الائتلافات، فكيف بالقارئ النبه ؟!.

الجميع يعلم ان المجتمع العراقي ينقسم الى ثلاثة مكونات اجتماعية كبيرة، ومكونات اجتماعية صغيرة اخرى، ومعيار هذا التقسيم يستند الى العرق والمذهب والدين والطائفة، وهو معيار طبيعي يذكر كتوصيف موضوعي لمكونات المجتمع العراقي، ولكنه خطر جداً وتقسيمي عندما يتم التعامل معه سياسياً.

في الانتخابات السابقة ادعت ثلاثة ائتلافات سياسية كبيرة تمثيلها حصراً لاحد المكونات الكبيرة، وان قسماً من المكونات الصغيرة قد ذاب في الائتلافات الكبيرة في البرلمان الحالي، وقسم اخر اطلق عليه اسم الاقليات، تم تمثيلها في البرلمان عن طريق الكوتة.

اصبح امراً يقره الجميع دون استثناء، ان ذلك الادعاء في التمثيل وهذه التقسيمات، انتج المحاصصة التي صار الجميع يلعنها حالياً ويقول انها كلفت العراق كثيراً في السلبيات، بل الكوارث في جميع الجوانب، وكأن فكرة هذه التمثيلات السياسية اوجدها ساحر، هذا الامر ادى الى ادعاء بعض الائتلافات الجديدة رفض المحاصصة والطائفية، وبدأوا يزايدون على خدمة كل الوطن والمجتمع . ولكن هناك امراً جديداً قد حصل، وهو انقسام بعض الائتلافات السابقة الى قسمين، وبعض اخر انقسم الى ثلاثة اقسام، ولكن معظمها قد حافظ على ان يكون القسم الاكبر من اعضاء هيئته القيادية منتمياً لمكون اجتماعي محدد، مع تطعيم هذه الهيئات باعضاء من مكونات اخرى. بعض الائتلافات الجديدة التي ظهرت، قيادتها من مكونات مختلفة ومتعددة و هذا الامر جديد وايجابي، وهناك ائتلافات اخرى لا يدخل معيار الكيانات في تشكيل قيادتها لانها لا تعترف منذ تاريخ تاسيسها القديم، بهذا المعيار على المستوى السياسي، ولكن الشديد الاسف هذه الائتلافات ضعيفة التاثير في اوساط المجتمع الذي ما زالت الاسطورة والخرافة لها تاثير كبير على عواطفه وسلوكه.

قلنا ان مجموع الائتلافات هو اثنا عشر ائتلافاً مع كيانات سياسية اخرى قائمة على اساس الحزب او الفرد، ولكن المتوقع ان تحصد سبعة ائتلافات اكثر من 90% من عدد المصوتين. نعود الان الى تقييم هذه الائتلافات بالاستناد الى معيار درجة الانحياز الى كل الوطن وكل المجتمع او جزء منهما. اعتماداً على خلفيات سلوكية وممارسات قيادات سابقة، نستطيع ان نقول ان بعض قياديي هذه الائتلافات يعلنون الولاء والانحياز لمصالح كل الوطن وكل المجتمع في برامجهم وتصريحاتهم الجديدة، لان التطورات الخطيرة التي مر بها العراق خلال الاعوام السبع السابقة، والتي كان سببها الاساسي هو الانحياز، بل التعصب الى جزء من الوطن والمجتمع، هي التي املت عليهم هذا الاعلان، لكننا لا نستطيع ان نقتنع ان هذا الانحياز والتعصب السلبي للجزء، قد تبخر من اذهان هذه القيادات بين ليلة وضحاها، وعليه من حقنا ان نشك في ان هذه القيادات السياسية تبطن شيئاً وتظهر اخر، وقد يقول البعض ان هذا الشك مبني على الظن، ونحن نقول اننا مستعدون لان يكون ظنا آثماً، اذا كان ما تعلنه هذه القيادات يشكل قناعة حقيقية ثابتة، لا تكتيكياً لاستراتيج مختلف، وستكشف الممارسات والنتائج مستقبلاً عن صحة او خطأ هذه الظنون.

وعلى اساس طروحات وممارسات سابقة لقيادات ائتلافات اخرى، نستطيع ان نشخص ان معظم قيادات هذه الائتلافات كان منحازاً لكل الوطن والمجتمع، مع ان قسما منهم كان منحازاً للجزء في بداياته ولكن مع الزمن والتجربة وقربه من صنع القرار الاساسي، قد ادرك ان الانحياز للجزء منبع للمهالك ويحرق جميع الاوراق السياسية للذي يتبناه، وان الانحياز الى الكل، منبع لوحدة العراق ولدولة ذات هيبه ونفوذ، وهو الامر غير المتحقق حالياً، ويمثل نقطة ضعف كبيرة قد شخصها اعداء مسيرة العراق نحو الدولة المدنية والمجتمع المدني، ودائماً يحاول هؤلاء الاعداء الابقاء على نقطة الضعف هذه، بل توسيعها، لكي تسهل مرور مخططاتهم التآمرية لاجهاض مسيرة العراق الى الامام بكل تعنيه من دلالات.قلنا ان قسماً قليلاً من هذه الائتلافات كان تاريخ نشاطها السياسي دائماً ينحاز لكل العراق ولكل مجتمعه ولكن التطورات السياسية الخطيرة الوحشية التي اعقبت نكسة شباط عام 1963 كان لها الاثر الكبير في اضعاف القوى السياسية التي تشكل مثل هذه الائتلافات الحالية والتي قلنا ان فكرة المكونات لا تشكل اي جزء من بنية وعيها. هذا يعني ان الناخب الذي يبني طموحه على بناء دولة مؤسسات تضمن له العيش الكريم بمختلف معانيه وتصون له الوحدة الوطنية، يستطيع ان يميز بين الائتلافات القريبة من تحقيق هذا الطموح، بل يميز بين المرشحين داخل الائتلافات لانه سينتخبهم وفق القائمة المفتوحة.

كلنا امل ان يحسن ابناء شعبنا الاختيار عندما يدلون باصواتهم يوم 7 آذار .

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:assabah