بناء الدولة المدنية الصالحة

 

يعقوب يوسف جبر الرفاعي

 

الدولة المدنية الصالحة هي تلك التي تنحصر مهامها في إتاحة امكانية الحصول على الحقوق والحريات العامة والخاصة لجميع المواطنين مقابل إنجاز وظائفهم المكلفين بها اتجاه بعضهم البعض واتجاه نظام الدولة العام

أما لو كانت على العكس من ذلك أو افترضناها جهازا سياسيا يفرض على جميع المواطنين جملة من الواجبات والأعمال والضرائب والإيرادات العامة دون أن يتيح لهم  مجال الحصول أو المحافظة على حقوقهم وحرياتهم فهي ليست دولة ذات طابع مدني ؛ إنما هي مؤسسة استبدادية وقمعية ، أما  أنماط الحقوق والحريات والواجبات والمسؤوليات التي يتم تطبيقها ضمن نطاق هذه الدولة  ، فإنها لاتخضع لموازين عادات وتقاليد وأعراف المجتمع الأهلي انطلاقا من استقلاليتها نظريا وتطبيقيا وتعارض مفاهيمها مع ثقافته وعقائده وعاداته وأعرافه سواء كانت هذه القيم دينية أوقبلية أو عرقية ، ونتيجة تعدد الطيف الاجتماعي دينيا وطائفيا وعرقيا وقبليا ولتجنب نشوء الصراعات الطائفية والعرقية والقبلية ، اقتضت الضرورة القانونية والثقافية والسياسية إقامة دولة مدنية الاتجاه تتجاوز التعصب بكافة أنواعه  ؛ مرتكزة على دستور مدني يستوعب ثقافات الأطياف الاجتماعية كافة  ؛ ويوحدها تحت ظل مفهوم المواطنة وسلوكياتها النبيلة.

طبيعة الدولة المدنية

الدولة المدنية في ظل المناخ الديمقراطي الحر؛ مؤسسة إدارية سياسية كبيرة ذات صبغة مدنية؛ فهي ليست سلطة ذات طابع عسكري يديرها رجال المؤسسة العسكرية الكبار كما هو الحال في العديد من بلدان العالم خاصة بعض الدول الأفريقية التي شهدت  وتشهد صراعات تكون دموية بعض الأحيان بين مختلف الطوائف والجماعات الأهلية للاستحواذ على السلطة، ومنها الصراع الدائر في جنوب السودان الذي يهدد الشمال بالانفصال أوشماله الذي شهد تطهيرا عرقيا تبلور في توجيه اتهام دولي لرئيس السودان البشير على خلفية ممارسته للقمع والتطهير العرقي بحق طيف من سكان دارفور، أو ذلك الصراع الذي دار بين الجماعات العرقية في بوروندي بين التوتسي والهوتو، وصراعات أخرى ماتزال بعضها مستمرة في العديد من البلدان الأفريقية وأخرى توقفت بعد توقيع اتفاقيات لتقاسم السلطة والنفوذ ، ولن تكون الدولة مدنية الطابع والهوية حينما يتحكم بإرادتها السياسية وقانون عقوباتها أفراد الجماعات المسلحة والمليشيات ،  وهي ليست سلطة أهلية المعالم والوظائف يتصرف في اتجاهها العام أفراد المجتمع القبلي أو المجتمع الديني أو المذهبي أو المجتمع الطائفي أو القومي أو العرقي ، مثلما يجري الآن في العديد من بلدان العالم  كبعض الدول العربية لنأخذ مثلا حديثا الصراع الدائر والمستمر في اليمن بين الحكومة اليمنية والحوثيين وهو صراع يتخذ صفة دينية وعرقية وسياسية مختلطة ، يعكس مدى التخلف السياسي الذي تعيشه حكومة اليمن وأقطاب الصراع المتناحرين دمويا وسياسيا، فلو افترضنا بناء أسس دولة مدنية حديثة الوظائف في اليمن تحمي حقوق الجميع وفق مبدأ المساواة سياسيا واقتصاديا وثقافيا؛ لكانت بداية النهاية للأحداث الدامية المؤسفة التي يمر بها هذا البلد ، فليس من الصواب تصور نشوء آلية أية دولة متمدنة تخضع إدارتها لأقلية أو أغلبية تهيمن على مقدراتها وعلى أجهزتها ووظائفها، أو أن وظيفة تنفيذ أعمالها يحتكرها حزب سياسي ينفرد بسلطتها أفراده من خلالها الاستبداد البيروقراطي أو عبر تبنيهم سلوكية استغلال السلطة لتلبية مصالحهم الخاصة ، على النقيض من ذلك يتسع فضاء الحريات ضمن الجغرافيا والسيادة السياسية للدولة المدنية ليشمل كل المواطنين دون استثناء بحسب الاستحقاقات الدستورية الرسمية والمشروعة ، وتمتاز الدولة المدنية عن سواها بالنسبة لتغيير سلطات حكومتها  وموظفي هذه السلطات كلما انقضت فترة محددة ، وهذا السلوك السياسي المعتدل لاوجود له في ظل الأنظمة الدكتاتورية المستبدة ، ففي ظلها يعشش المستبدون والحاكمون مدى العمر ، أو تنتقل السلطة بين سلالة العائلة المالكة بالتوارث ، ويتم حرمان المواطنين خاصة الكفوئين من تداول سلطتها واستبعادهم وتهميشهم وتعطيل قدراتهم مادامت السلطة الاستبدادية تهيمن على مقاليد الحكم في البلاد ، وهذا النموذج مايزال ساري المفعول في العديد من بلدان العالم وأقرب مثال هو الدول العربية ، فمؤخرا في تونس تسلم الرئيس زين العابدين بن علي منصب رئاسة حكومة تونس للمرة الخامسة على التوالي من خلال انتخابات شكلية ، وهذا دليل يؤكد احتكار سلطة حكومة الدولة  ، بينما نجد عكس ذلك تماما  في البلدان الديمقراطية الكبرى حيث يتم تغيير رئيس الحكومة واعضاء حكومته كل أربع سنوات من خلال صناديق الاقتراع ؛ لإفساح المجال لشخص كفوء آخر لكي يتسلم منصب الرئاسة بالنسبة للنظام الرئاسي أما بالنسبة للنظام البرلماني  فيتضمن تشكيل سلطة تشريعية جديدة تضم أعضاء جددا ، وبعد ذلك يتم اختيار رئيس الحكومة بالتصويت حسب نظام الأغلبية البسيطة أو المطلقة ، ومن ميزات الدولة الحديثة ذات الاتجاه المدني لامركزية سلطة حكومتها بتحديد صلاحياتها ومنح الأقاليم أوالأجزاء المحلية صلاحيات اوسع مدى ؛ لممارسة وظائف ضمن نطاق جغرافي محدد قد يكون محافظة أو إقليما ، وهذا الاتجاه السياسي الإداري الحديث متبع في بعض دول العالم كالولايات المتحدة وسويسرا وكندا والهند والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى وقد أثبت نجاحا باهرا.

 سلطات الدولة المدنية ووظائفها

الدولة كيان واسع الطيف يتركب من مجموعة من الأجهزة الإدارية أو الوزارات تعمل وتنشط لممارسة جملة من الوظائف ذات الطابع المدني أو السياسي أو المختلط ، يتولى تنظيم تشريعاتها السلطة التشريعية وتعمل السلطة التنفيذية على تفعيلها بموجب اللوائح القانونية بينما تحمي السلطة القضائية تطبيقاتها وتحافظ عليها من العبث والاعتداء من قبل المتمردين والجهال ، فالسلطة التشريعية تقترح وتشرع القوانين نظريا لإتاحة فرص تمتع المواطنين بحقوقهم وحرياتهم قانونيا دونما غبن أو هدر ؛ أما السلطة التنفيذية فهي  تهيئ الأرضية الخصبة لنشوء تلك الفرص ؛ أما السلطة القضائية فهي بمثابة الدرع الحامي لهذه الحريات والحقوق أمام الخروقات والتجاوزات ، ومن مهام ومسؤوليات السلطة التنفيذية توفير الأمن الداخلي للبلاد من خلال وزارة الداخلية المدنية ، وممارسة الوظائف الدبلوماسية الخارجية مع بقية حكومات الدول والبلدان في العالم عبر وزارة الخارجية بالشكل الذي يضمن تحقيق المنافع الاقتصادية والسياسية والثقافية لمواطنيها بصورة عادلة ، ولأجل تنظيم مسؤوليات سلطات الدولة لتكون نافعة وحرة ومدنية ؛ تم اعتماد مبدأ استقلالية كل سلطة لكن هذه الآلية لن تمنع هذه السلطات من الارتباط بين بعضها البعض بعلاقات خاضعة لجملة من الضوابط القانونية تفاديا للتداخل الوظيفي ؛ الذي تفقد بسببه سمات استقلاليتها، وبصورة عامة تتجسد وظائف الدولة المدنية وتتلخص في مايلي:

1. توفير فرص العمل والعيش الكريم  لمواطنيها ، لكن الشرط الأساسي لحصولهم على الدخل المالي العادل هو اشتراكهم في عملية إنتاج السلع والخدمات ، وتجنب تحولهم إلى عاطلين يشكلون عبئا على الميزانية العامة أو مثالا للبطالة المقنعة ، أو  مصدر هدر لجزء من  المال العام فيلحقون الضرر بمنافع بقية المواطنين باعتبار أن هذا الضرر الجسيم هو صورة للفساد المالي والإداري الذي تعاني منه العديد من دول العالم الثالث كالعراق مثلا الذي ترتفع نسبة البطالة المقنعة فيه لتصل إلى مستويات خطيرة جدا ، إضافة إلى البطالة التقليدية التي بسببها لايجد الكثير من المواطنين السكن والدخل الاقتصادي الذي يلبي حاجاتهم المتعددة .

2. بناء مجتمع اقتصادي نموذجي وتأهيل أفراده ليكونوا منتجين وليسوا عاطلين يشكون الفقر باعتباره ظاهرة اجتماعية سلبية تتناقض مع قيم ومثل وثقافة الدولة المدنية الحديثة.

3. توفير المناخ الأمني والاستقرار النفسي لكل المواطنين باعتبار أن الحاجة إلى الأمن ضرورة اجتماعية ونفسية لايمكن الاستغناء عنها .

4. تهيئة سبل التعبير عن حرية الرأي بشتى الطرق وفق ضوابط قانونية محددة ورسمية،  وحرية التعبير هذه مفتوحة ومتاحة في مجالات عديدة منها حق الاشتراك في تحديث السلطة التشريعية ترشيحا وانتخابا، وإبداء وجهة النظر عبر الصحافة الحرة وتفعيل سلوكية الاحتجاج والتظاهر والاجتماع وإقامة المؤتمرات والندوات، وتأسيس المنظمات والاتحادت والنقابات المدنية للدفاع عن الحقوق وممارسة عملية تثقيف أعضائها بضرروة المحافظة على مسؤولياتهم المهنية والاجتماعية  لتطبيق قيم الثقافة المدنية.

5. بناء المؤسسات التعليمية وتهيئة مستلزماتها لنشر المعرفة المهنية والثقافة العامة من أجل تنمية المواطنين معرفيا ومهنيا ، فليس هنالك تقارب في مستوى العمل المهني والخصوصيات الثقافية والوعي بأنواعه المتعددة بين الفرد الأمي والفرد المتعلم ؛ الذي يكون مؤثرا وفاعلا في تأدية واجباته تجاه نظرائه المواطنين بينما يبدو الفرد الأمي عاجزا أو قليل التأثير بالنسب لموقعه المهني في المجتمع سواء من حيث المهنة التي يمتهنها أو مستوى ثقله الثقافي والمعرفي ، فالبلدان المتقدمة في مجالات متعددة تطورت بفضل المتعلمين والعلماء ، أما البلدان المتخلفة فبقيت عاجزة عن مواكبة التطور لانخفاض نسبة المتعلمين فيها وارتفاع نسبة الأميين.

6. بناء المؤسسات الصحية وتضمينها الوسائل التقنية الحديثة لمكافحة مختلف الأمراض والأوبئة وتوفير سبل الوقاية منها لتأمين الأمن الصحي والنفسي والمعنوي لأفراد المجتمع.

7. بناء مؤسسات الحفاظ على البيئة والتشجيع على تأسيس منظمات الدفاع عن البيئة أو السلام الأخضر وتوفير الدعم اللازم لها لتمارس دورها الإنساني في حماية البيئة وإصلاحها .

8. اعتماد الدولة نظام الضمان الاجتماعي لرعاية كبار السن والمعوقين والمتقاعدين.

9. للدولة سلطة اقتصادية ليست مطلقة تتجسد في الانتاج والاستثمار عبر مؤسسات وشركات قطاعها العام، إضافة إلى ممارستها لوظيفتها الإدارية بالإشراف على تطوير السوق المالية والمصارف وحمايتها من الاحتكار والأزمات والتضخم بكافة أنواعه عبر تنفيذ برامج مالية محددة، لكن هذه الوظيفة لاتعني منع رجال الأعمال والقطاع الخاص والمختلط من المستثمرين والمنتجين من ممارسة نشاطاتهم الاقتصادية التجارية بصورة مستقلة شرط أن لا تمس النظام الاقتصادي العام.

10. تتبنى الدولة مبدأ المساءلة من قبل جهاز تؤسسه لمتابعة سياسات وزاراتها   ووزرائها والمدراء العامين والموظفين الكبار والصغار واقتفاء آثار الفساد والمفسدين لتقديمهم إلى القضاء العادل لمحاسبتهم.

11. تحجيم نطاق المؤسسة العسكرية تدريجيا والاكتفاء بماهو ضروري ريثما يتم الاستغناء عن الخدمات العسكرية بصورة شبه مطلقة مستقبلا ، للابتعاد بالدولة وثقافتها ووظائفها عن العسكرة.

12. عدم السماح بالتداخل في الوظائف والحقوق بين المؤسسة العسكرية الاستثنائية وسلطة الشرطة والأمن الداخلي باعتبار أن سلطتهما مدنية تعمل على توفير الأمن للدولة داخليا وتنظيمه ضمن قطاعها العام وكذلك القطاع الخاص . إن سيادة الدولة لن تكتمل في أي حال من الأحوال إن لم تعمل على أداء هذه الوظائف بجودة عالية؛ لكي تضمن الحصول على اعتراف بأحقيتها من كافة مواطنيها؛ حتى تكون مؤسسة وطنية تستمد  نفوذها وسلطتها الشرعية من خلال الدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه لها مواطنوها، فالضرائب التي يقدمها المواطنون هي مثال واضح للدعم المادي، أما التعاون المعنوي مع الدولة من قبل المواطنين المخلصين في مجال مكافحة الجريمة والفساد المالي والإداري هو أيضا مؤشر إيجابي يشير بوضوح تام إلى تبلور جانب مهم في مؤسسة الدولة المدنية الناجحة.

مراحل ظهور الدولة تاريخيا

إن حكماء بلاد اليونان الأوائل في عصور ماقبل الميلاد هم أول الفلاسفة عبرالتاريخ الذين وضعوا نظرية الدولة المدنية لتكون مؤسسة مناهضة لسلطة الاستبداد بعد أن هيمنت على إرادة المجتمع اليوناني لفترة من الزمن ، وكان لظهور ونمو الفلسفة وأساطينها الدور الكبير في تبلور مفهوم الدولة المدنية مرتكزة على احترام حقوق الإنسان ، لكن نقطة اختلاف مفهوم الدولة آنذاك عن مفهوم الدولة الليبرالية الحديثة تمثلت في تقسيم المجتمع اليوناني إلى طبقات اجتماعية كطبقة الأشراف وتتكون من أفراد الحكام والكهنة والقضاة ثم طبقة أصحاب المهن تليها طبقة الفلاحين الفقراء ثم تعقبها طبقة الأرقاء، وهذا التصنيف يأتي انطلاقا من طبيعة مؤهلات أفراد الطبقات، فحسب رؤية الفلاسفة اليونانيين آنذاك لا يمتلك أفراد الطبقات الثلاث التي تلي طبقة الأشراف من حيث الأهمية والنفوذ السياسي والاجتماعي والفلسفي ؛ القدرة والثقافة والحكمة التي تؤهلهم لتسلم مناصب الدولة العليا فانحصرت هذه الوظائف بأفراد طبقة الأشراف ليقوموا بوظيفة إدارة شؤون الدولة قانونيا ومدنيا وسياسيا، ومعنى ذلك أن كل فرد في المجتمع ينتمي إلى الطبقة التي يستحقها ، وينال حقوقه ومساحة حرياته وفق مستواه الفلسفي والثقافي، أما في أوروبا الحديثة فإن الدولة اتخذت مسارا تاريخيا سياسيا جديدا مغايرا ، بعد أن نشأت على أنقاض سلطة الاستبداد الإقطاعية الكنسية، وكان أبرز مفهوم نظري حقوقي وقانوني وأهم وظيفة ارتكزت عليها تطبيقيا؛ هي آلية الاحتكام لسلوك العقد الاجتماعي الذي يتطلب احتراما والتزاما متبادلا بين كافة أفراد المجتمع دون أدنى استثناء بالنسبة للحقوق والحريات والوظائف والواجبات سواء كانت مادية أم معنوية، وأسلوب الاتفاق اجتماعيا وسياسيا مابين المواطنين يتم تفعيله بواسطة تشكيل المنظمات والأحزاب السياسية غير المتصارعة بل المتنافسة فيما بينها التي تضم طيفا محددا من الأفراد ؛ يتبنون مبادئ وأهدافا تتضمن احترام الحريات والحقوق العامة والخاصة لكافة المواطنين بموجب دستور العقد السياسي ، ونتيجة لهذه الثقافة وقيمها وتطبيقاتها تم إبعاد سلوكيات التعصب  الأهلي بمختلف أنواعه عن المجال السياسي داخل نطاق الدولة ونظمها الإدارية ، لأن ثقافة التعصب تتضمن إقصاء سياسيا لطيف أو طوائف اجتماعية من قبل فئة متعصبة مستبدة سواء كانت تنتمي إلى طائفة دينية أو مذهبية أو قبلية أو قومية أو عرقية أو سياسية ، وبهدف توفير فرص المساواة بين المواطنين خاصة في  مجال الحقوق السياسية نشأت نظرية الدولة المدنية البعيدة عن الاستبداد والتهميش.

التعدد الثقافي

في دولة التمدن  بالضد من طبيعة الأنظمة السياسية الدكتاتورية تعمل الدولة المدنية على حماية التعدديات الثقافية المرتبطة بالانتماءات الدينية والطائفية والقومية والعرقية لكنها لاتسمح بتحولها إلى كيانات سياسية تمارس الصراع مع بعضها البعض بهدف الاستحواذ على سلطة الدولة ووظائفها السياسية ، لأن ذلك  سيؤدي إلى ظهور الاستبداد بمختلف أنواعه وحرمان طيف جماهيري واسع من المواطنين من التمتع بحقوقهم الثقافية المشروعة، بينما تعمل الدولة المدنية على توفير فرص التعدد ثقافيا مرتكزة على مجموعة من الضوابط  القانونية:

1. يتمكن كل الأفراد من الحصول على حقوقهم الثقافية وحرياتهم في التعبير عن معتقداتهم الدينية دون المساس بمعتقدات الاخرين.

2. كل الطوائف الدينية لها الحق في ممارسة طقوسها الدينية والمذهبية شرط أن لاتشكـل خطرا علـى الأمـن الثقافـي العام.

3. لكل أفراد قومية أو عرق أو أقلية الحق في التمسك بهويتهم والدفاع عنها بعيدا عن التعصب.

4. يتبنى كل أفراد القوميات والأعراق والمذاهب سلوكية المواطنة نظريا وتطبيقيا لتذويب كل العصبيات والحواجز في بوتقة واحدة.

إن الدولة المدنية ترتكز على قواعد الدستور بموجب مواثيق الشراكة في إدارة شؤونها مابين مواطنيها عبر آليات نظام تأسيس الأحزاب وأسلوب التنافس السلمي بين بعضها البعض ، وليس الصراع العنيف بين الأغلبية والأقليات وبين الطوائف والقوميات أو بين الأحزاب السياسية البارزة بهدف الوثوب على السلطة بغية احتكارها، لأن الدولة بمجملها هي جهاز تحكيمي يضمن الحفاظ على حقوق جميع المواطنين بالتساوي حسب الكفاءة والاستحقاق، مع  توفير هامش الرعاية اللازمة لبعض المواطنين الذين لايملكون مؤهلات تمكنهم من العمل، لأنها دولة الشعب والجماهير وملك صرف للجميع دون استثناء، هكذا ينبغي أن تكون الدولة عندما تبدأ نشوءها ونهوضها بواسطة مواطنيها المؤهلين سياسيا وقانونيا؛ هم فقط  لهم الحق في بناء هيكلها حسب النظم القانونية الحديثة، أما المواطنون الذين لايمتلكون القدرات السياسية اللازمة التي تؤهلهم لتسلم المناصب الرفيعة فينحصر دورهم في تقديم الدعم السياسي لها انطلاقا من وضع الأشياء في مكانها المناسب تجنبا للفوضى.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:assabah