المعارضة السلمية وحكومة الظل في النظام الديمقراطي العراقي الجديد

 

المحامي - فاروق عبدالوهاب العجاج

 

يرى البعض أن من مستلزمات تطبيق نظام الديمقراطية التعددية الفيدرالية وجوب احترام الأقلية لرأي الأغلبية النسبية والمطلقة وحقها في أخذ ومسك زمام الأمور لأنظمة الحكم حسب استحقاقاتها الشرعية طبقاً لمفهوم تولي السلطة الناشئة بإرادة أغلبية الشعب لتمكنها من تحمل مسؤولية تنظيم شؤون البلاد وسلطات الحكم المختلفة لخدمة مصالح الشعب والوطن،لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما  حدود صلاحية الأغلبية وقوة هيمنتها البرلمانية أو في إدارة سلطة الحكم؟ يرى البعض الآخرألا تكون تلك الصلاحية مطلقة تفضي بالنتيجة إلى الاستبداد بالرأي والتصرّف وتهمش رأي الأقلية،الأمر الذي يقتضي ضرورة إجراء توافق يوحد المواقف والآراء والعمل المشترك لتعزيز مسيرة البناء والإعمار وتحقيق الأمن والاستقرار لكي تصبح مسؤولية استقرار الوطن ارضاً وشعباً مسؤولية الجميع، وأن الظرف العراقي الراهن أحوج إلى ذلك على ما هو عليه من مظاهر الاختلاف والخلاف الشائعة بين أغلب فئات وأطياف الشعب العراقي فضلا عن  ظاهرة الإرهاب والإجرام المنظم، كل ذلك كان وراء أسباب تردي الأمن وإشاعة الفوضى والفساد الإداري والمالي في جميع أجهزة الدولة، الأمر الذي عطل عمليات البناء والإعمار والتقدم في جميع المجالات، كما لا نتصور ان باستطاعة الأغلبية تهميش دور الأقلية البرلمانية أو إضعافها، وتمارس الأقلية السياسية المعارضة في النظام الديمقراطي وهو من المفاهيم الحديثة في علم السياسة أعمالاً ومواقف سلمية ضد صاحب سلطة الحكم القائم ويتم ذلك بأسلوب النقد الايجابي الهادف إلى بيان وجهات نظر وآرء مختلفة متعارضة مع طريقة وأسلوب الحكم القائم. وتهدف المعارضة (أي الأقلية) التي تمثلها الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية الشعبية والمهنية والشخصيات الوطنية المستقلة على اختلاف مراكزها الاجتماعية والعلمية إلى تحقيق عدة أهداف وغايات على وفق رؤيتها الخاصة من خلال عمليات وسائل ضغط فاعلة في المحافل البرلمانية والشعبية أما بهدف  الوصول إلى السلطة كالأحزاب السياسية، أو تحقيق مصلحة اقتصادية أو اجتماعية لمجموعة من أفراد المجتمع من دون أطماع سياسية معينة.

المعارضة وحكومة الظل 

كلما كانت المعارضة قوية متحدة تعتمد على أسس وبرامج وقواعد قانونية وسياسية واجتماعية واقتصادية على وفق منهج علمي بنّاء هادف وطني تشكل عاملاً ضاغطاً على الوضع السياسي العام ومؤثراً على السلطة الحاكمة ودوراً ايجابياً في إنماء الأسس الديمقراطية السليمة لمصلحة الشعب والوطن.

لقد أعطت بعض الدول ـ وفي مقدمتها بريطانيا ـ اهتماماً كبيراً للمعارضة السياسية وتكريسها واقعاً سياسياً  تتحول إلى مؤسسة سياسية في قوتها وتركيبتها القانونية والسياسية، أي مؤسسة رسمية في الدولة،و تتمتع المعارضة بوضع قانوني رسمي إلى جانب الحكومة، إذ توجد حكومة الظل لها، وهي حكومة المعارضة تتكون من وزراء ينتمون إلى الحزب الذي لم يحصل على الأكثرية ولها وجود فعلي وهي جاهزة للحلول محل الحكومة القائمة، وللمعارضة دور رسمي مهم داخل الجمعيات والبرلمانات الوطنية من أجل تحقيق التوازن داخل الهيئات الرسمية للمحافظة على المبادئ الديمقراطية ومنع الميل نحو الابتعاد عنها والنزوع نحو الدكتاتورية ، وقد يكون للمعارضة دور ايجابي في التناوب في السلطة من خلال صيغ وأسس ملموسة وممارسات الديمقراطية الفيدرالية واللامركزية، وحينما تشكل المعارضة البرلمانية الأكثرية وتتفوق على السلطة الحاكمة ذات الأكثرية السابقة من خلال دورها الفاعل والنشط والضاغط بالنقد البنّاء المعارض وفق مساحة واسعة من الأجندة والآليات والتحالفات المتحركة على مختلف المستويات داخل الكتل البرلمانية وخارجها لإبراز موقف مؤثر على حجم الأكثرية البرلمانية تتولى السلطة كما يحدث ذلك في بريطانيا بين أحزاب العمال والمحافظين والأحرار.وفي فرنسا بين حزب الديغوليين الذي  تسلم سلطة الحكم في فرنسا من عام 1958 حتى عام 1981، وبين الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي، أما في الولايات المتحدة فنرى  التنافس قائماً بكل وضوح بين الجمهوريين والديمقراطيين وكذلك الحال في الدول التي تتبنى النظام الديمقراطي في التناوب على سلطة الحكم، لذلك يمكن القول انه ليست هناك أغلبية قادرة على المحافظة على سلطة الحكم في ظل هذه الأنظمة إذا ما أخفقت في إعطاء نتائج ايجابية ومرضية للمواطنين ولم تتمكن من الصمود، أمام تحدي المعارضة، الوجه الآخر للحكم ،المتربص للأخطاء المقصودة وغير المقصودة على مستوى ممثليها من الأشخاص أو على مستوى كفاءة برامجها ومواقفها السياسية والاجتماعية على المستوى المحلي والاقليمي والدولي، وأن بقاءها مرهون بمدى قناعة غالبية المنتخبين الذين صوّتوا لصاحب السلطة الحاكمة وللناخبين بصورة عامة الممثلة لهم في البرلمان خلال مدة محددة قانوناً أو قد تبدو آثارها واضحة بعد تلك المدة وإعادة إجراء انتخابات جديدة لانتخاب ممثلين جدد لهم في البرلمان القادم.

وقد يبدو أن القوة المعارضة تكمن في دول الديمقراطية الليبرالية القائمة على أساس العدالة والمساواة والحريات السياسية من  دون تمييز على أساس العرق أو الجنسية أو الدين أو الطائفة وغيرها بين المواطنين، وتبقى مشكلة المعارضة معقدة عندما يكون عدد الأحزاب الممثلة لها كثير، وحيث يكون بينها تباعد فكري وأيديولوجي يصعب عليها تحقيق التحالف والاتحاد أو التضامن في وحدة الموقف والرأي الموحد، إذ لا يمكن لها أن تكون قوة ضاغطة على القوة السياسية صاحبة سلطة الحكم أو مواجهتها على أرض الواقع الميداني عن ما ترتكب من ممارسات خاطئة أو هفوات سياسية واقتصادية مضرة بمصلحة البلد. وبعد قراءة الواقع السياسي والاجتماعي العراقي، هل تستطيع تلك القوى المتعددة والمختلفة في أفكارها وتقاليدها وبرامجها الفكرية والتنظيمية أن  تشكل معارضة فاعلة وضاغطة في داخل البرلمان أو الجمعيات الوطنية وضاغطة على مستوى رأي وقناعة الناخبين بالمنطق والحجة والموقف البنّاء والواضح والمخلص والنزيه من كل غرض؟

وتبقى الأيام حبلى بالمفاجآت، لكن الحقيقة الأساسية التي يجب ألا تغيب عن ذهن كل مواطن مهما كان صنفه أو مركزه السياسي أو الاجتماعي أن المعارضة الموحدة في الدول ذات النظم الديمقراطية ضرورية لتحقيق التوازن السياسي بين الأقلية والأغلبية وتحقيق العدالة والمساواة بين الجميع من أجل مصلحة الشعب والوطن.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر:16-11-2009