التعددية الحزبية.. نحو ترشيد مفهوم «المعارضة»‏

 

أزراج عمر

 

المعارضة كمفهوم سياسي وفي إطار التعددية الحزبية تعني طرح المشاريع ‏المختلفة أمام المواطنين والمواطنات لاختيار أفضلها وأكثرها توافقا مع ‏مصلحتهم في مجتمعهم؛ وهكذا، فإن الصراع ليس بين الأشخاص وإنما بين ‏الأفكار، والحلول الممكنة التي تقترح لصنع التنمية المادية والثقافية والفكرية.‏

‏على هذا الأساس فإن الأحزاب التي تدعى بأحزاب المعارضة تقوم بالنقد من ‏أجل تفعيل الإمكانيات لتحقيق التطوير والتطور، وليس بقصد التجريح والمس ‏بكرامات هذا أو ذاك. وهكذا، فإن العمل السياسي في صيغة المعارضة لا يعني ‏إلا المنافسة الشريفة من أجل الرفع من شأن الوطن والمواطنين والمواطنات؛ ‏ففي ظل المنافسة الجادة فإن الغلبة تكون للفكرة المفيدة، وللمشروع العملي.‏

من هنا فإن التعددية الحزبية ببلداننا في حاجة إلى التعلم من الممارسة والنظرية ‏معا، وفي حاجة ماسة إلى برنامج تلتزم به من أجل تجسيده عمليا؛ والحال، فإن ‏بلداننا الخارجة من السيطرة والاحتلال قد عملت القليل لمعالجة آثار ومظاهر ‏التخريب الموروث عن ذلك الاستعمار، ولقد سلكت بلداننا بعد الاستقلال مباشرة ‏نهج الحزب الواحد، وعملت بمركزية السلطة، مما أجّل التعددية الحزبية ‏كأسلوب لتداولها، وإعمال الفكر لإخصاب المشاريع المتعددة، وكذا وجهات ‏النظر المتنوعة من أجل إنجاز مشروع الدولة الوطنية المتحدرة من ارتباطاتها ‏بالمراكز الاستعمارية سابقا في شتى المجالات. ‏

نهج الحزب الواحد:‏

والملاحظ أن اختيار نهج الحزب الواحد قد تم بعدة طرق وتحت مظلات ‏مختلفة؛ إذ تم مرة باسم الاشتراكية في هذه الدولة العربية، أو تلك، ومرة باسم ‏الشرعية الثورية التي اختزلت في القيادات العسكرية وبعض السياسيين. إن هذه ‏القيادات جاءت من فضاء الكفاح المسلح في عهد النضال التحرري، أو من ‏الفضاء الدبلوماسي المرتبط بالكفاح المسلح. وفي الواقع فإن العمل بالواحدية ‏الحزبية، أو بالسلطة العسكرية قد لعب دورا ملحوظا في تغييب النقد السياسي، ‏والفكري والاجتماعي في إطار النخب داخل المجتمع المدني. وهكذا تجمدت ‏الحركة السياسية مما جعل السلطة صنما لا يمس، ومما أدى إلى استبعاد الرأي ‏المخالف، وبالتالي إلى اعتبار التعددية السياسية مشكلا وعقبة بدلا من اعتبارها ‏محكا لاختبار مدى استعداد مجتمعاتنا لجعل الحكم متداولا بالطرق السلمية.‏

في هذا المناخ نشأت تيارات في شكل أحزاب تعمل في السر دون أن تتمكن من ‏خوض غمار النشاط في الميدان؛ وهكذا اكتفت بالمناقشات في الغرف واللقاءات ‏بين العناصر المشكلة لها بشريا. في ظل هذا المناخ صارت السلطة تنظر إلى ‏مفهوم التعددية كشكل مستورد من الخارج، وكرديف لتقسيم المجتمع، وكتهديد ‏للوحدة العقائدية السياسية، وللوحدة الوطنية أيضا، ونتيجة لذلك منعت الأحزاب ‏من التشكل والظهور علنيا. وبسبب ذلك بقيت التعددية الحزبية في حالة إقصاء ‏حيث لم ينظر إليها كأسلوب لتوسيع المشاركة في الحكم وممارسة السلطة في ‏إطار الجماعية من أجل تفعيل فكرة الديمقراطية أو على الأقل الشروع في تعلم ‏بعض مبادئها وتطبيقاتها في الحياة العامة. ‏

من الناحية الفكرية فقد اعتبرت النخب التي كانت في الحكم في هذه المراحل ‏الأولى من الاستقلال التعددية الحزبية شكلا من أشكال عدم فك الارتباط مع ‏الليبرالية السياسية الغربية؛ وعلى هذا الأساس أبعدت التعددية ظاهريا، ولكن ‏السبب الحقيقي لا يتوقف عند هذا التبرير، وإنما هناك مبررات أخرى، وهي أن ‏النخب الحاكمة لم تكن تقبل بالمنافسة السياسية، وتعد ذلك طعنا في شرعيتها ‏الثورية، وفي تاريخها النضالي، المسلح أيضا. وفضلا عن ذلك فإن ثمة ‏تبريرات أخرى مثل القول بأن مجتمعاتنا ما بعد الاستعمارية لم تنضج بما فيه ‏الكفاية لتتمكن من العمل بالتعددية الحزبية. وهكذا نتج عن كل ذلك مركزة ‏الحكم بين أيدي مجموعة معينة، مما جعلها مع الوقت ترفض منطق الحوار، ‏وبالتالي تعادي التشاركية التعددية في الحكم. ‏

في ظل هذا المناخ استبعدت التربية السياسية ذات النهج التعددي السياسي من ‏المنظومة التربوية، ومن المنظمات الجماهيرية، والاتحادات الثقافية، ومن ‏أجهزة المجتمع المدني الايديولوجية معا. وهكذا افتقرت بلداننا إلى فلسفة الاعداد ‏النفسي والتربوي والثقافي للتعددية السياسية. والحال، فإن التكوينات التاريخية ‏لمجتمعاتنا قد ساهم في تعطيل هذا النوع من الاعداد. إنه لا بد من القول بأن ‏المكونات العشائرية والقبلية والطائفية قد لعبت أدوارا غير مباشرة ومباشرة في ‏التباطؤ في التشكيل الحزبي التعددي على أساس الاختلافات في المشاريع ‏الوطنية، وفي المضامين الايديولوجية.‏

إن بعد التعدد الاثني له دور كبير في زرع الخوف لدى السلطات الحاكمة بأن ‏السماح للتعددية الحزبية كشكل سياسي قد يتحول إلى مظلة تنشط تحتها النزعات ‏الطائفية، والعرقية، والاثنية ذات التشنجات. وبالتالي، فإن هذه النزعات كانت ‏السلطات الحاكمة تنظر إليها كمشاريع انفصالية. وفي الواقع، فإن مثل هذا الفهم ‏والتقييم لهذه النزعات كانا خاطئين في الغالب لأنه كان بالإمكان إعطاء الحقوق ‏للإثنيات ومن ثم سحب البساط من تحت أقدام العناصر المتطرفة في أوساطها.‏

أما تعطيل المشاركة التعددية في الحكم في إطار التعددية الحزبية فلا يفيد، ‏وبالعكس فإنه يتيح لها الفرصة لتبرر النزعة الانفصالية، وكما يتيح الفرصة ‏للقوى الأجنبية التي تدعي أنها مسؤولة أخلاقيا على تدعيم وحماية الاقليات أن ‏تتدخل لتحقيق أغراض لا علاقة لها أصلا بالديمقراطية، وبالحريات السياسية. ‏وهكذا فإن ميلاد الأحزاب في أغلب الدول العربية في فترة ما بعد الاستقلال ‏كان نتيجة لحالتين أولهما تتمثل في مظاهر التمرد والخروج عن الطاعة، أي ‏طاعة النظام السياسي النخبوي الحاكم في ظل الحزب الواحد، أو في ظل الحكم ‏العسكري، أو بواسطتهما معا. وثانيهما تتمثل في لجوء السلطة الحاكمة إلى خلق ‏انفراج شكلي لاحتواء التمردات عن طريق إنشاء أحزاب شكلية تحولت مع ‏الوقت إلى بيادق تبرر الحكم القائم وتغطي عيوبه ونقائصه في النظرية ‏والممارسة.‏

أحزاب السلطة:‏

إن هذه الأحزاب المشكلة بإيعاز من السلطة لم تكن مؤهلة فكريا ومنهجيا، ‏وتأطيرا بشريا ومؤسساتيا أن تكون قادرة على التميز؛ كما أنها، أي هذه ‏الأحزاب، كانت بمثابة فرقة إغاثة النظام الحاكم، وتحولت مع الزمن إلى مدافع ‏عن النظام الذي شكلها وسمح لها بالعمل علنيا. وهكذا صارت هذه الأحزاب ‏مجرد جدار حماية! فالأحزاب التي تدعى ببلداننا بالمعارضة لا تملك الاستقلالية ‏السياسية والمادية، كما أنها لا تملك مشروع الدولة الحديثة الذي بموجب تطبيقه ‏تتمكن من التمايز، ومن ترشيد المجتمع، وبالتالي من الانفصال عن شكل دولة ‏الحزب الواحد.‏

وفضلا عن ذلك فإن المعارضات السياسية في شكلها ومضمونها الحاليين غير ‏فاعلة لأنها بعيدة عن الشعب، ولا توجد بينه وبينها توافقات في المصالح، وفي ‏الأهداف السياسية والاجتماعية والثقافية. والأدهى والأمر هو أن هذه ‏المعارضات لا تربط وجودها وتطور وعيها بالمجتمع للتعلم منه والتحالف مع ‏شرائحه الأكثر تنويرا، وقابلية للتطور.‏

وفي الحقيقة، فإن المجتمع القوي أصبح لا يثق في أحزاب المعارضة لأنها لم ‏تقدم النموذج الذي يمكن أن تتماهى معه، وأن تتقاسم معه أيضا مهام التنمية ‏ومشاريع العدالة الاجتماعية والثقافية والقانونية.‏

مما لا شك فيه أن قبول بعض بلداننا بالتعددية السياسية الشكلية يعد خطوة ‏إيجابية ولو أن ذلك ليس بالهدف الاستراتيجي المتمثل في تأسيس ثقافة تداول ‏الحكم والتعلم من هذه الفلسفة لتوزيع السلطة بما يؤدي إلى إنجاز مشروع دولة ‏الرفاه الاجتماعي، والتطور الفكري والمناخ النفسي السوي. وفي التحليل ‏الأخير، فإن التعددية الحزبية القائمة في الوقت الحاضر ببلداننا هي أشبه ‏بالاحتواء للمعارضة، لأن هذه المعارضة نفسها قد فقدت رصيدها الشعبي؛ ومع ‏الأسف فإنها بذلك قد أعادت إنتاج سلوكات، وأفكار وممارسات الحزب الواحد.‏

إن هذه الأحزاب المعارضة تعارض الحكم القائم لتحل محله ومن ثم تقلده في ‏كل شيء؛ ولقد أثبتت التجربة أن جميع الأحزاب المعارضة تتصرف وكأنها ‏ليست جزءا من المجتمع المدني، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنها تظهر ‏نفسها كمشروع لاحتواء المعارضات الأخرى. أما إذا تأملنا موزاييك ظاهرة ‏الائتلاف فإننا نجد أحزاب المعارضة التي توجد إلى جانب الحزب التقليدي ‏الحاكم منذ الاستقلال وتتقاسم مع هذا الأخير الحقائب الوزارية، وكذلك أسلوب ‏الحكم النخبوي المركزي وغير الشعبي، كما تتقاسم معه المصالح المادية. ‏

إن هذا الوضع يفقد أحزاب المعارضة المصداقية الشعبية لأنها مسكونة بدورها ‏بهاجس السلطة، أما في سلوكها العملي فهي تتفرج على تخلّف المجتمع. ‏فالمطلوب هو إعادة النظر جذريا في ثقافة التعددية السياسية وأخلاقياتها من ‏أجل تدقيق مفهوم المعارضة باعتبارها ذات طابع مدني سلمي ثقافي، سياسي ‏وحضاري. إنه من الضروري فتح النقاش الجماهيري حول مدلول ‏‏"المعارضة" وحول أخلاقيات الممارسة السياسية في أفقها الأكثر حداثة. وبدون ‏هذا، فإن التعددية الحزبية ببلداننا سوف تبقى امتدادا لتعدد الأغراض والمصالح ‏الخاصة، وللعشائرية، والشللية والنخبوية المتزمتة.‏

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: alarab