ديناميكيات النزاع بين الجماعات العراقية

  

 

عرض: راضي محسن داود :

يقدم فريق التقييم الستراتيجي لديناميكيات النزاع في العراق برئاسة فالح عبدالجبار مقاربات منهاجية للابعاد البنيوية للصراع والنزاع في العراق حيث يرزخ العراق ومنذ العام 2003 تحت وطأة النزاع بين الطوائف والجماعات السياسية وتتنافس مختلف اطراف النزاع من اجل السيطرة على اعادة توزيع الموارد الاجتماعية. والاقتصادية والسيطرة على ادوات السلطة السياسية، وتستخدم هذه الاطراف المتصارعة شتى الاساليب للسيطرة على الحصص والمنافع والموارد ويقترن هذا النزاع التنافسي بثلاث عمليات:

1- اعادة بناء الامة (استنادا الى مبدأ المشاركة والمساواة في التمثيل).

2- تشكيل الدولة (تطهير الاجهزة، الاصلاح، اعادة بناء المؤسسات، هيكلة النظام القضائي، الجهاز الاداري).

3- ارساء الاستقرار (مكافحة العنف، حل المليشيات فرض الامن والقانون والنظام).

ويبين تقرير التقييم الستراتيجي ان العراق نفض عن نفسه بعد العام 2003 نصف قرن من الحكم العسكري والتسلطي بعد ان عاش ارثا شائكا من الحروب المدمرة والعقوبات وسوء الحكم وسوء الادارة وحكم الاسرة والفساد حيث ادت هذه الظروف الى استنزاف الموارد ودمار المجتمع المدني واضفاء الطابع الشخصي على مؤسسات السلطة وخلقت امة تنوء تحت ثقل التشظي الشديد وتعاني من ازمة هوية حيث ان الاستياءات الاثنية والطائفية والقومية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية تشكل رد فعل ضد الدولة بصفتها الطرف الابرز والمنظم والمالك الكلي للثروة الاجتماعية (النفط) بعد العام 2003 اتخذت التوترات والاعتراضات تدريجيا صفة احتدام بين الطوائف والاثنيات واخذت القوى السياسية والاجتماعية تسعى الى رسم النظام السياسي واعادة تحديد آليات الاندماج الوطني لاسترجاع الامتيازات القديمة حيث لعبت القوى المؤسساتية القديمة والمجموعات السلفية المحلية والاجنبية فضلا عن قوى حزب البعث العراقي ادوارا تجريبية، حيث انها تعتمد هذه النواة المؤسساتية على اربعة مليارات دولار سلبت من البنك المركزي العراقي فضلا عن نهب الاسلحة من مخازن الجيش السابق، وتشكل الاجهزة والمؤسسات الامنية والسياسية (ضابط الجيش السابق، المخابرات، رجال الامن بالاضافة الى كوادر الحزب) القوى الضاربة في هذا النزاع حيث تترابط هذه القوى بروابط ايديولوجية وعلاقات قرابة ومصالح اقتصادية مشتركة ويشكل السلفيون الاسلاميون الاصوليون المقاتلون الاجانب قوى جديدة تضاف الى مشهد الصراع حيث يتمتع هؤلاء بشبكة لتمويل اقليمية واسعة.

- ازمة دولة:

ويرى الباحث حسين العادلي ان اسقاط النظام العام 2003 كشف طبيعة الازمة العراقية وجميع الازمات الاخرى في تمظهراتها الامنية والسياسية والمجتمعية والاقتصادية والاجتماعية وطبيعة التداخلات الاقليمية والدولية بوصفها (ازمة دولة) بجميع مكوناتها من اقليم جغرافي ونظام سياسي ومجتمع طبيعي وهوية وطنية بغض النظر عن ما افرزته هذه الازمة من ارهاب وجريمة منظمة وفساد وفوضى سياسية، فضلا عن ما تم انتاجه بعد التغيير على يد معظم القوى السياسية كان تأسيسا لحزمة ازمات موروثة ومستحدثة ازمة هوية الدولة، ازمة الانتماء والولاء، والتعايش والتماسك الوطني، ازمة ادارة السلطة وتوظيف الثروة وازمات الدستور والقوانين والثقافة ويضيف العادلي ان مناشئ هذه الازمة، تعود الى

اولا: فشل مشروع الدولة الوطنية، بسبب الفشل بانتاج المجتمع كجماعة انسانية والفشل بانتاج الدولة كجماعة سياسية. ويعود هذا الفشل الى المدارس البنيوية (العقائدية السياسية) المتعاقبة على حكم العراق والمشتملة في ميادين السلطة والثقافة والدين والاقتصاد. وهو فشل بنيوي حطم مرتكزات بناء الدولة وحولها الى مجرد وسلطة متفرعنة على المستوى السياسي والى مجرد جماعات متناحرة على المستوى الاجتماعي وعصبويات منغلقة على المستوى الثقافي.

ثانيا: تضارب رؤى واردات ومشاريع اعادة وانتاج المجتمع والدولة خاصة بعد عملية سقوط الدكتاتورية في 2003، علىصعيد فرقاء العملية السياسية وعلى مستوى رؤى ومشاريع الدول ذات الصلة والتأثير على الواقع العراقي ولاسباب عديدة تاريخية وراهنة، ذاتية، وموضوعية وطنية وخارجية نتج عنها تضارب وتناقض مريع.

ثالثا: انعدام او ضعف الحواضن الاساسية لاعادة انتاج المجتمع مع الدولة من بنى اقتصادية وخدمات وأمن حيث لايمكن لاعادة الانتاج وسط انهيار النظام الاقتصادي والخدماتي وافتقاد ارضية الامن بالمعنى الانساني الشامل حيث للدولة ثلاث وظائف اساسية لنجاحها: الاعتراف بمواطنيها على قدم المساواة والحماية لهم من خلال احتكارها للقوة وتوفير الخدمات على تنوعها.

رابعا: كونية القضية العراقية على اساس تدويل قضاياها وملفاتها اقليميا ودوليا وذلك تدويل قضايا العراق بسبب فشل الانظمة المتعاقبة على حكم العراق في تحديات البناء والبقاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والامني، ما تعددت وتراكمت وتداخلت الازمات العراقية واستفحلت لتغدو حزمة ازمات متداخلة ومتشابكة وبالذات تداخلها مع قضايا الشرق الاوسط المتنوعة والمضطربة في نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والامني، ناهيك عن المحاور الدولية التي تخوض صراع المصالح من خلال ملفات الازمة السياسية والامنية والاقتصادية.

خامسا: التوازن السلبي بين القوى السياسية المنتجة للقرار السياسي على مستوى الدولة، فقد انتج هذا التوازن فقدان عامل الحسم في ادارة الازمات وحسمها، وقد ساعد في ذلك قانون ادارة الدولة والاتفاقات التوافقية بين الكتل السياسية ونتائج المحاصصة التي عطلت الحياة السياسية.

سادسا: الانشقاقات الاجتماعية الكبرى التي يشهدها العراق لاسباب طائفية وعرقية وسياسية التي عمل لها بقايا النظام المباد ومراكز الارهاب وقوى الجريمة وبؤر التخلف والعديد من المراكز الاجنبية ما ادى الى تعطيل وتحيد دور الشعب في حسم التداعيات.

سابعا: تمركز الارهاب في العراق كقوة تعطيل وتخريب للبديل السياسي والحضاري المراد انتاجه بعد التاسع من نيسان 2003 فالارهاب اعقد من كونه تمركزا للجماعات تكفيرية بقدر ما هو ستراتيجية محكمة تغذيها ثلاثة عوامل لافشال التجربة العراقية وهي: حواضن الارهاب الاقليمية والدولية المنتجة للفـتاوى والتنظيمات والمؤسسات الدينية والعلمانية المحلية والاقليمية على حد سـواء والمال والاعـلام المضاد ويمكن ان تتحقق ستراتيجية المصالحة والحوار الوطني والتعايش عبر تشكيل نظام سياسي وديمقراطي تعددي، فيدرالي، لامركزي، يمتاز باوسع مشاركة ويوضع قيودا وضوابط توافقية، ويبقى الاساس الاجتماعي الحاسم لقيام مثل هذا الكيان السياسي الديمقراطي هو الطبقات الوسطى الحضرية ذات المنحى العابر للطوائف والاثنيات والمرتكز على اقتصاد السوق وبالتالي الخارجة من الاطار العتيق للممارسات السياسية القائمة على الهويات الجزئية.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: الصباح - 14-6-2009