مستقبل العراق في ظل الديموقراطية التوافقية

 

لطيف القصاب

 

 

عانت الغالبية العظمى من شرائح المجتمع العراقي طوال عقود طويلة ممارسات سياسية مركزية صارمة دفعت بها من خلال منهج مدروس إلى اللجوء إلى ما يمكن أن نصطلح عليه بدوائر الهوامش بمعنى أكثر وضوحا فإن سياسة جعل مقدرات الدولة تحت إمرة جماعة سياسية أو اجتماعية أو دينية ما، سيتجه حتما بالجماعات الأكثر تضررا من هذه السياسة اللاإنسانية إلى البحث عن طرق من شأنها التعويض عما لحق بها من خسارات مادية أو نفسية، وسواء كانت تلك الخسارات على شكل كبت ديني أو حرمان من المشاركة السياسية والوجاهة الاجتماعية أو مجرد فقدان لموارد مالية بحتة، فإن المتضررين من هؤلاء وأولئك سيلجأون لا محالة إلى الانضواء تحت أطر تنظيمية بعينها مثل المافيا الاقتصادية والحزب المعارض واللافتات الدينية أو المذهبية والتجمعات البدائية كالقبلية والعشيرة والمحلة ونحوها وهكذا فقد شهدت الساحة الاجتماعية العراقية تشظيات كثيرة، وتعرضت الصورة العامة لوجه المجتمع العراقي إلى انكسارات حادة لاتزال تفعل فعلها التخريبي في تشويه منظر التعدد الديني والعرقي الذي كان موئلا خصبا في رفد حضارة هذا البلد العريق بألوان التنوع البهيج ودرجة متقدمة على صعيد العمق والأصالة، فأضحى الانتماء إلى ما يعرف بالهويات الثانوية والإعلان عنها على سبيل الافتخار ـــ كلما سنحت الفرصة ـــ سمة واضحة تميز الإنسان العراقي عمن سواه، وابتداء من حركة "تبعيث" المجتمع، بمعنى قصر انتمائه الفكري على إيديولوجية سياسية حزبية معروفة، مرورا بسحق أغلب فئات المجتمع بطاحونة التجنيد الإجباري، وانتهاء بصرعات من مثل تطبيق سياسة الحملة الإيمانية تحت ذرائع إزالة الحيف والمحرومية عن بعض الطوائف الدينية وما رافقها من تداعيات وأحداث، أو نهج الدعم والتشجيع الحكومي على كتابة الأصول العشائرية والعائلية والازدراء بمن لا يمتلك نموذجا منها الأمر الذي دفع باتجاه المبالغة في العناية بتلك الأصول وخلقها من العدم إن لم يكن لها وجود سابق، ومن ثم إجبار شرائح مختلفة من العراقيين علي درج أسمائهم رغبة أو رهبة في سجلات مزيفة، كل ذلك العبث أو بعضه أساء بشكل قصدي أو صدفة إلى النسيج الديموغرافي العام للمجتمع، وأفرز مشاعر سلبية لاسيما عند أصحاب الانتماءات الدنيا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، بل حتى أصحاب من يعتقد النظام أنها انتماءات عليا لكنهم أجبروا رغبة أو رهبة على الدخول في ملاذاتها وبالنسبة إلى قضية الإشهار الديني بقصد التميز عن الآخر فقد تبدت صورها جلية على نحو لا جدال فيه لدى العراقيين الذين قرروا مضطرين أو مختارين السفر خارج البلاد ومن ثم السكن والعمل في إحدى دول الجوار العربي، حيث استوطنوا على شكل تجمعات سكنية مذهبية خاصة لاسيما الشيعة منهم، أما من استطاعوا أن يقيموا في دولة كإيران قبل أو بعد حقبة تسعينات القرن الماضي فإن التمييز فيما بينهم أخذ منحى دينيا أكثر دقة، كالرجوع في أخذ "الفتيا" إلى مجتهد دون آخر، فإذا تعذر التناشز الديني بهذا المستوى استعيض عنه بنزعة الانتماء المناطقي المفرط هذه المرة، مثل التناحرات التي كانت تحدث بين من يعود بتاريخ سكناه إلى مدينتي النجف وكربلاء من أهل المسلك الديني الواحد على سبيل المثال وعلى هذا المنوال لم يستطع إلا القليل النادر من العراقيين التخلص من إسقاطات سياسات النظام السابق التي قضت بتشتيت المجتمع على سلوكهم العام، حتى مع الإقرار الشفوي لدى البعض في أن العقيدة الدينية لاسيما الإسلامية منها وكذلك حقيقة التعايش المتحضر تنفيان معا سائر أنواع التمايزات الاجتماعية السلبية.

*مركز المستقبل للدراسات والبحوث

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek.alwatan.com.kw